facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فصلٌ دراسي جديد .. ودولابُ المستقبل يدور


د. بركات النمر العبادي
08-09-2026 01:08 PM

مع كل فصل دراسي جديد، يحدث في المجتمع شيء أكبر من مجرد عودة إلى المدارس والجامعات، إنها لحظة يتجدد فيها مشهد الحياة نفسه؛ تُفتح الأبواب، تُحمل الحقائب ، تمتلئ الصفوف والقاعات، وتخرج من البيوت أجيال مختلفة الأعمار والآمال، فيبدأ الجميع رحلة جديدة في طريق طويل اسمه المستقبل.

هناك طفل صغير يخطو للمرة الأولى نحو المدرسة، يحمل حقيبته وربما شيئًا من الخوف وكثيرًا من البراءة ، ولا يعرف بعد أن هذه الخطوة الصغيرة هي أول الطريق نحو عالم واسع من المعرفة والتجربة والمسؤولية. وهناك طالب ينتقل من مرحلة إلى أخرى، وقد كبر جسده واتسعت أسئلته وتبدلت أحلامه.

وهناك شاب يدخل الجامعة، لا ليتعلم تخصصًا فحسب ، وإنما ليبدأ تشكيل رؤيته للحياة ، واكتشاف موقعه فيها.

وفي الطرف الآخر من المشهد يقف المعلم والأستاذ الجامعي، يبدأان عامًا جديدًا من العطاء. وربما لا يدرك كثيرون أن ما يجري داخل الصف أو قاعة المحاضرة لا ينتهي بانتهاء الحصة؛ فالمعلم لا ينقل معرفة فقط، والأستاذ الجامعي لا يشرح مساقًا فقط. كلاهما يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل عقل، وبناء شخصية، وترسيخ قيمة، وصناعة موقف.

وهنا تكمن حقيقة التعليم الأعمق.

فالمجتمع لا يبني أبناءه بالكتب وحدها، ولا بالمناهج وحدها، ولا بالشهادات وحدها. الإنسان تصنعه منظومة كاملة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة، وتتداخل معها جماعة الرفاق، والبيئة الاجتماعية، والثقافة العامة، والإعلام، والقيم السائدة، وكل أدوات الضبط الاجتماعي والثقافي التي تشكل وعي الفرد وسلوكه.

إنها مسننات كثيرة في دولاب واحد؛ إذا تحركت بانسجام دار الدولاب بهدوء، وإذا اختل أحدها انعكس اضطرابه على بقية المنظومة.

ولذلك لا يجوز أن ننظر إلى المدرسة والجامعة باعتبارهما مؤسستين منفصلتين عن المجتمع.

فالمدرسة امتداد للأسرة، والجامعة امتداد للمدرسة، وكلاهما امتداد للمجتمع والدولة وثقافتها وقيمها. وما نزرعه في الطفل اليوم، سيظهر غدًا في سلوك المواطن، وفي الأسرة، وفي مكان العمل، وفي الشارع، وفي المجال العام.

ومن هنا تصبح قضية التعليم أكبر من قضية النجاح والرسوب، وأكبر من الامتحان والعلامة والشهادة.والسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيتعلم أبناؤنا؟
بل: أي إنسان نريد أن يكونوا؟

نريد إنسانًا يعرف، لكنه يعرف أيضًا لماذا يعرف. ونريد شابًا يمتلك المهارة، لكن يمتلك معها المسؤولية. نريد خريجًا قادرًا على المنافسة، دون أن يفقد صلته بمجتمعه، ولا احترامه لثقافته، ولا شعوره بالانتماء. نريد تعليمًا يفتح نوافذ العقل على العالم، لكنه لا يقتلع الإنسان من جذوره.

وهذه ربما هي إحدى أهم وظائف التعليم في الدولة الحديثة: أن يصنع إنسانًا قادرًا على العيش في زمن متغير، دون أن يتحول التغيير إلى اقتلاع، ودون أن تتحول الحداثة إلى قطيعة مع الذاكرة والقيم.

وفي التجربة الأردنية تحديدًا، كانت المدرسة والجامعة على الدوام جزءًا من مشروع بناء الدولة والمجتمع. فمن مقاعدهما خرجت أجيال من المعلمين والمهندسين والأطباء والاقتصاديين والقضاة والعسكريين والموظفين والمفكرين، وكل واحد منهم حمل شيئًا من المكان الذي تعلم فيه، ثم أعاد إنتاجه في المجتمع.

فالأسرة لا تستطيع وحدها، والمدرسة لا تستطيع وحدها، والجامعة لا تستطيع وحدها، والمعلم والأستاذ مهما بلغت قدرتهما لا يستطيعان وحدهما. لكن حين تعمل هذه المؤسسات في نسق واحد، يصبح التعليم مشروعًا حقيقيًا لبناء المجتمع، لا مجرد نظام لتوزيع الشهادات.

ومع صباح الفصل الدراسي الجديد، قد تبدو الصورة عادية: أم تودع طفلها، أب يوصل ابنته، معلم يدخل صفه، وأستاذ جامعي يتجه إلى قاعته، وطالب يفتح كتابه للمرة الأولى.

لكن خلف هذه التفاصيل اليومية الصغيرة تتحرك مسألة كبيرة جدًا: مستقبل مجتمع كامل.وهكذا يدور دولاب الحياة من جديد...طفل يبدأ أول الطريق، وشاب يقترب من نهايته، ومعلم وأستاذ يواصلان رسالة العطاء، وأسرة تضع أبناءها بين أيدي المدرسة والجامعة، ومؤسسات تحمل مسؤولية المعرفة والتربية والثقافة، ومجتمع ينتظر أن يرى بعد سنوات ما الذي صنعته هذه الرحلة في أبنائه.

ولعل أجمل ما في كل فصل دراسي جديد أنه يمنحنا فرصة جديدة؛ فرصة لأن نُحسن التربية، ونرتقي بالتعليم، ونحترم عقل الطالب، ونصون دور المعلم، ونستعيد للجامعة مكانتها بوصفها بيتًا للعلم والفكر، لا مصنعًا للشهادات.

وفي كل عام دراسي جديد، نبدأ من جديد في صناعة ذلك الرصيد.تُفتح أبواب المدارس والجامعات، وتُفتح معها أبواب المستقبل... ويدور دولاب الحياة، جيلاً بعد جيل.

فسلام على جلالة الملك وولي عهده وجلالة الملكة و على الاسرة ، وسلام على المعلم وسلام على الطالب وسلام على الاجهزة الامنية و على قارئ هذا المقال وسلام على كل الاردنيين .

حمى الله الاردن من كل كريهة





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :