facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"مجلس النواب الموقر"


فراس المجالي
08-09-2026 03:29 PM

لم يعد نائب الوطن في عصر التدفق الرقمي يمتلك أربع سنوات هادئة يبرهن فيها جدارته التشريعية والرقابية، فقد بات يواجه كل مساء تقييما يوميا مباشرا عبر شاشات الهواتف من قواعد رقمية تملك سرعة الوصول إلى البيانات والمقارنة في دقائق.

وبينما يتحرك التقييم الشعبي بسرعة الرسائل الإلكترونية، فإن الإيقاع المؤسسي للبرلمان يبدو بطيئا بحكم طبيعة المسارات الإجرائية الشاقة التي لا تظهر تفاصيلها للجمهور.

من هنا تتسع الفجوة؛ فالنائب مطالب اليوم بشرح الأثر الاقتصادي والاجتماعي الممتد لتشريع معقد، والرد على تساؤلات الشارع بلغة واضحة، ومراقبة أداء الحكومة في الوقت نفسه.
لكن أي مؤسسة تمثيلية تفتقر إلى ما يكفي من الإسناد البحثي والمعرفي والمالي الكفء والمستقل ستجد نفسها تلقائيا في موقع رد الفعل بدلا من صناعة القرار.

فحين تغيب المادة المرجعية الموثوقة تحت القبة، يرتفع الصوت، ويصبح الاستعراض الفردي أكثر إغراء من ممارسة السياسة الحقيقية.

لكن هذا الطرح لا يقصد التقليل من حجم الجهود التي يبذلها أعضاء المجلس الحالي وكتله النيابية، ولا التغافل عن ضمانات المفاهيم وجودة النصوص التي يحفل بها النظام الداخلي لمجلس النواب..

بل إن الاستشراف والتفكير المعلن لردم الفجوات الفنية والإدارية ينطلقان من حرص أكيد على تمكين هذه السلطة الدستورية الأصيلة، والانتقال بها نحو أرفع المعايير التي تصون هيبتها.

وفي هذا السياق، يبرز تحد يتمثل في غياب التكافؤ التكنولوجي والمعرفي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، إذ يبقى الحديث عن التحول الرقمي ناقصا إذا اقتصر على الحكومة.

فلا يمكن لبرلمان يعمل بآليات الرصد التقليدية أن يناقش سياسات عميقة لحكومة تدار بآليات توفر البيانات الضخمة والكفاءات الفنية.

وإذا كانت المادة (181) من النظام الداخلي قد اكتفت بإحالة تنظيم الأمانة العامة إلى نظام مالي وإداري خاص دون أن تفصل مهامها الفنية تجاه اللجان والأعضاء، فإن المطلوب اليوم هو سد هذا الفراغ التنظيمي بتحديد تلك المهام وتطويرها.

هنا تأتي أهمية دعم وتمكين الأمانة العامة واللجان الدائمة بوسائط وبرامج رقمية متقدمة لرصد الأثر التنفيذي للسياسات، وتحليل البيانات المالية والاجتماعية في وقتها الحقيقي بشكل مستقل عن الرواية الحكومية الرسمية، لتتحول البيانات الوطنية إلى حجة رقابية ترفع قدرة النائب من الانطباع الشخصي إلى كشف الفجوات بالأرقام.

بموازاة هذا التحديث الرقمي، تتجلى ضرورة الإصلاح البنيوي واللائحي، الذي لا يتطلب بالضرورة خلق أحكام جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة حازمة لتفعيل ما هو موجود أصلا في النظام الداخلي وتحصينه؛ وفي مقدمة ذلك تفعيل المادة (96) التي تخصص أصلا جلسة للأسئلة والاستجوابات والاقتراحات برغبة بعد كل جلستي عمل على الأكثر.

ولضمان عدم تحول هذه المادة إلى نص معطل عمليا كما حدث في تجارب عربية ومحلية سابقة، بات حتميا إلغاء استثناء التقييد ("ما لم يقرر الرئيس غير ذلك") وجعل دوريتها أسبوعية قاطعة لا تطغى عليها القوانين المستعجلة، تجنبا لإحراج الرئاسة وضمانا لحق النائب المستقل والكتل النيابية.

فحماية مسار التحول الديمقراطي تبدأ حتما بمزيد من الضمانات لحرية القرار البرلماني وتجنب اختزال الغايات التشريعية والرقابية في سلطة التقدير الفردي تحت القبة، وربطها بدلا من ذلك بالمعايير المؤسسية القاطعة.

كما يستدعي تحديث الممارسة البرلمانية التزاما صارما بالمواد التي تؤطر عمل الكتل والائتلافات النيابية (المواد 25 إلى 33)، وبخاصة إعمال المادة (26) التي تلزم كل كتلة أو ائتلاف نيابي بوضع نظام خاص به ينظم أعماله ويضبط أداءه السياسي، لتتحول الكتل من مجرد قوائم لتوزيع اللجان إلى وحدات عمل تشريعية موحدة تنهي حالات العرض الفردي "داخلها" وتمثل الموقف الكتلي بالشكل السياسي الأفضل تحت القبة.

ولا بد من الإشارة إلى ضرورة التطوير الإجرائي في إدارة الجلسات النيابية عبر تفعيل النص المجيز للتصويت بالوسائل التقنية الحديثة (المادة 86)، وتطوير آلية احتساب النصاب القانوني عند افتتاح الجلسة (المادة 88) لتصبح لحظية، إلى جانب تطوير الممارسات اللوائحية المتعلقة بأوقات الكلام (المادتان 111 و112) ومأسستها عبر "منح الزمن المخصص للكتل" لإكسابها وزنا تنظيميا أفضل.

كما أن مأسسة جلسات الاستماع أمام اللجان المنصوص عليها في المادة (67) باتت حاجة ملحة لتطوير عملها وجعلها علنية، خدمة لمبدأ الشفافية والمكاشفة التشريعية، وبذلك تتحول إدارة الجلسات تحت القبة من اجتهادات تقديرية مشروعة إلى إرث مؤسسي يحسب للرئاسة في سجل تطوير العمل البرلماني.

أما على صعيد الاستحداث المطلوب، فإن تطوير آليات المجلس يحتاج عمليا إلى مأسسة نهج "قياس الأثر التشريعي اللاحق" للتحقق من جودة القوانين بعد تطبيقها بمدة زمنية معقولة؛ وهو ما يتطلب إدراج الآلية بنص لائحي ملزم يحدد أطرا زمنية دورية للتقييم، مدعوما ببنية رقمية وفنية مستقلة توفر بيانات واقعية ومحايدة بعيدا عن تقارير التقييم الشكلية.

لقد آن الأوان لمأسسة "مكتب الموازنة البرلماني" أيضا، وتطوير دوره لتأطيره ضمن هيكلية أوسع، وتحويله إلى دائرة تحليلية أكتوارية ومالية محايدة تمتاز بصلاحيات نفاذ أعمق وقدرة عالية على قياس كلفة التعديلات التشريعية والمالية بالأرقام الموحدة، وهو ما يضمن للحكومة نفسها تجويد وتوحيد المرجعية الرقمية التي تعزز استقرار السياسة المالية للدولة وتمنع التصادم الميداني.

وهنا تأتي أهمية تبني أدوات الذكاء الاصطناعي كبنية مساندة لتلخيص النصوص، ومقارنة المسودات بالقوانين النافذة، وتصنيف شكاوى المواطنين، مع إبقائها تحت التدقيق البشري والمسؤولية التمثيلية الحصرية للنواب.

ولضمان تحقيق هذا التحول المعرفي، يبرز الرهان على إنشاء "المكتب الفني" لمجلس النواب عبر تعديل الهيكل التنظيمي، ليكون الذراع والمظلة الاستشارية والبحثية الشاملة التي ترفد النواب بالدراسات القانونية المحكمة والاستشارات الاقتصادية والتحليلات التكنولوجية المتقدمة وفق معايير الحياد المطلقة.

ومن الزاوية القانونية والإدارية والسياسية، تناسب تبعية هذا المكتب إداريا مهام الأمانة العامة للبرلمان — إعمالا لموافقات المادة (12/هـ) من النظام الداخلي التي تمنح المكتب الدائم صلاحية إقرار وتطوير هيكل الأمانة العامة دون حاجة لتعقيدات التعديل التشريعي.

ويتطلب ذلك إفراده بنظام وظيفي ومالي خاص يحميه من روتين الخدمة المدنية، بدلا من إلحاقه المباشر بالمكتب الدائم؛ وذلك لحماية الاستمرارية المؤسسية، وصيانة الذاكرة البرلمانية عبر الدورات المتعاقبة، ولضمان وقوف المكتب على مسافة واحدة من الكتل والأعضاء كافة، بعيدا عن التجاذبات والولاءات السياسية المتغيرة.

إن الحديث عن هذا التطوير لا يستقيم دون استقلال مالي وإداري حقيقي للأمانة العامة ذاتها، عبر تعديلات موازية في تشريعات الموازنة والخدمة المدنية تتلاءم مع طبيعة العمل البرلماني ورسالته الدستورية.

لكن تحقيق هذه الاستقلالية لا يعني منح شيك على بياض، بل يتطلب حوكمة صارمة تحصن الأمانة العامة من الترضيات؛ عبر مأسسة الاستقطاب أو التعاقد على أساس الجدارة والتنافسية، وإقرار مدونة حياد وظيفي قاطعة، مع إخضاع سلوكها المالي والإداري لرقابة لاحقة ومباشرة من ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة لضمان الكفاءة ومنع التسييس.

ختاما، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الرؤية تنطلق من إدراك لحجم الأعباء التي يواجهها النواب في أداء مهامهم، وأن تطوير البيئة التنظيمية للبرلمان -بين تفعيل النصوص النافذة وتجويد خدمات الأمانة العامة واستحداث أدوات المعرفة المستقلة- هو الضرورة الوطنية الراهنة لتمكين النائب وتحويل جهوده إلى أثر تشريعي وسياسي ورقابي مستدام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :