معالي الشيخ المعولي في رحاب المملكة
السفير د. موفق العجلوني
09-09-2026 09:52 AM
الأردن وعُمان... حين تتحول الدبلوماسية إلى مودة راسخة
ثمة زيارات لا تُقاس بجدول أعمالها، ولا تختزلها البيانات الرسمية، ولا تنتهي بانتهاء مراسم الاستقبال والمباحثات؛ لأنها تحمل في مضامينها ما هو أعمق من البروتوكول، وأبقى من السياسة العابرة. إنها الزيارات التي تأتي محمّلة برسالة محبة، وتعيد إلى الذاكرة صفحات مضيئة من تاريخ العلاقات بين الأشقاء.
ومن هذا المنظور، أقرأ زيارة معالي الشيخ خالد بن هلال المعولي، رئيس مجلس الشورى في سلطنة عُمان، إلى المملكة الأردنية الهاشمية، واستقباله من قبل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، باعتبارها محطة جديدة في مسيرة علاقة أردنية عُمانية راسخة، لم تكن يوماً علاقة مصالح آنية، وإنما علاقة أخوة وثقة واحترام متبادل.
وقد أكد جلالة الملك خلال اللقاء عمق العلاقات الأخوية بين الأردن وسلطنة عُمان والحرص على توطيدها، في مشهد يعكس مكانة هذه العلاقة لدى القيادتين والشعبين الشقيقين، فضلاً عن تناول اللقاء التطورات الإقليمية وأهمية خفض التصعيد وصون أمن الدول العربية وسيادتها.
وما أجمل أن تأتي عُمان إلى الأردن في شخص أحد رموز مؤسساتها الوطنية، وأن يحل الشيخ المعولي في رحاب المملكة، فيجد في عمّان أهلاً يعرفون لعُمان قدرها، ولأهلها مكانتهم، ولتاريخ العلاقة بين البلدين احترامه واعتزازه.
من مسقط تبدأ الحكاية... وفي عمّان تتجدد ، حين أستعيد اليوم مشاهد هذه الزيارة، أجدني أعود بالذاكرة إلى عُمان التي عرفتها عن قرب، وإلى رحلاتي إليها، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع في وجدان الإنسان علاقة لا تشبه سواها.
لقد كانت لي تجربة خاصة مع عُمان، لم تكن مجرد زيارات رسمية أو مشاركات في مؤتمرات، وإنما كانت رحلة في المكان والإنسان والتاريخ.
من مسقط التي تمنح زائرها إحساساً بالسكينة والوقار، إلى البريمي التي تقف شاهدة على خصوصية الجغرافيا العُمانية وتداخلها الإنساني والتاريخي، إلى صلالة التي لا يستطيع المرء أن يزورها دون أن يترك فيها شيئاً من قلبه.
وفي صلالة تحديداً، أشعر أن اللغة تعجز أحياناً عن أداء مهمتها. فصلالة ليست مدينة تُزار فحسب؛ إنها حالة وجدانية.
هناك، حيث يهبط الخريف على الأرض فيكسوها بخضرته، وتتعانق الجبال والسحب والضباب، يشعر المرء أنه لا يزور مكاناً بقدر ما يرتمي في أحضان الطبيعة.
ولذلك قلت، وما زلت أقول، إن في صلالة شيئاً يجعل الزائر لا يريد أن يغادرها سريعاً؛ ففيها من السكينة والجمال وكرم الإنسان ما يجعلها تسكن الذاكرة قبل أن تسكن الصورة.
أما البريمي، فقد تركت لدي انطباعاً مختلفاً. فهي ليست مجرد محافظة عُمانية ذات موقع جغرافي مميز، وإنما مساحة تتجسد فيها حكاية المكان الخليجي والعربي الذي استطاع أن يحافظ على خصوصيته وتراثه، وأن يجعل من الحدود الجغرافية جسراً للتواصل لا حاجزاً بين الإنسان وأخيه.
ولعل ما يلفتني في التجربة العُمانية أن المكان فيها لا ينفصل عن الإنسان؛ فحيثما ذهبت، وجدت هدوءاً يسبق الحديث، وكرماً يسبق السؤال، وابتسامة تختصر كثيراً من عبارات الترحيب.
وهذه، في اعتقادي، إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها سلطنة عُمان.
ومن هنا أتوقف عند تجربة أخرى أعتز بها، وهي مشاركتي في مؤتمر «دور الاعلامً في الترويج السياحي »، وما قدمته خلاله من ورقة عمل تناولت فيها السياحة باعتبارها أحد أهم جسور التواصل بين الشعوب والدول.
فالسياحة في عالم اليوم لم تعد مجرد صناعة تقوم على الفنادق والطيران والبرامج السياحية، وإنما أصبحت لغة إنسانية وحضارية، وأداة من أدوات الدبلوماسية الناعمة، ومساحة رحبة للتعارف بين الثقافات.
وقد وجدت في التجربة العُمانية نموذجاً يستحق التأمل؛ إذ استطاعت عُمان أن تحافظ على أصالتها وهي تنفتح على العالم، وأن تجعل من طبيعتها وتراثها وثقافتها عناصر جذب حقيقية.
وإذا كان الأردن يمتلك البتراء ووادي رم والبحر الميت والمواقع الدينية والتاريخية، فإن عُمان تمتلك مسقط وصلالة والبريمي ونزوى وصحارى واسعة وسواحل ممتدة وتراثاً بحرياً وتاريخياً عريقاً.
إنها ثروة مشتركة يمكن أن تتحول إلى مشروع أردني عُماني واسع في السياحة والثقافة والدبلوماسية الشعبية، بما يعزز معرفة الشعبين بعضهما ببعض، ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري والثقافي.
ولأنني أكتب اليوم من موقع التجربة الشخصية، فإنني لا أستطيع الحديث عن العلاقات الأردنية العُمانية دون أن أتحدث عن أولئك الذين جسدوا هذه العلاقات على الأرض.
لقد كان لي، بصفتي السفير الاردني موفق العجلوني، شرف التواصل والعلاقة الطيبة مع سفراء سلطنة عُمان لدى المملكة الأردنية الهاشمية، و كذلك في الدول التي كان لي الشرف بتمثيل بلدي الحبيب الاردن و قيادتي الهاشمية، وكانت تلك العلاقات بالنسبة لي امتداداً طبيعياً للعلاقة الأوسع بين بلدين يجمعهما الكثير من الاحترام والمودة.
ولقد لمست في الدبلوماسية العُمانية ذلك المزيج النادر من الهدوء والحكمة والاعتدال والإنصات، وهي صفات جعلت حضور عُمان الدبلوماسي في الأردن حضوراً قريباً من القلب، بعيداً عن التكلف، عميقاً في أثره.
فالدبلوماسية في جوهرها ليست فقط نصوصاً واتفاقيات ومذكرات تفاهم؛ الدبلوماسية أيضاً إنسان يعرف إنساناً، وصديق يمد يده إلى صديق، وبلد يجد في بلد آخر مساحة من الثقة والطمأنينة.
ومن هنا، فإن زيارة معالي الشيخ خالد بن هلال المعولي إلى الأردن تكتسب، في نظري، دلالة خاصة. فهو لا يأتي فقط رئيساً لمجلس الشورى العُماني، وإنما يأتي حاملاً معه صورة عُمان، بما تمثله من حكمة واتزان، وبما تمثله مؤسساتها من تجربة شورية تستحق التواصل وتبادل الخبرات.
وقد أكدت المباحثات الأردنية العُمانية خلال الزيارة أهمية التعاون البرلماني وتبادل الخبرات التشريعية والرقابية، وهو مجال يمكن أن يشكل رافداً مهماً للعلاقات المتنامية بين البلدين.
وإذا كانت السياسة الخارجية تُبنى على قرارات الدول، فإن العلاقات الشعبية تُبنى على تراكم المشاعر والذكريات. وهذا ما يجعلني أنظر إلى زيارة معالي الشيخ المعولي بعين مختلفة؛ عين ترى في حضور الرجل العُماني في عمّان امتداداً لحضور عُمان في الوجدان الأردني.
وفي منطقة عربية تعصف بها الأزمات، تزداد قيمة الدول التي تؤمن بأن الحكمة ليست ضعفاً، وأن الحوار ليس تراجعاً، وأن الاعتدال موقف سياسي وأخلاقي.
وهنا تتلاقى الرؤية الأردنية مع الرؤية العُمانية في مساحات واسعة.
فالأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله وعُمان، بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله يحملان إرثاً من الدبلوماسية الهادئة والمتوازنة، ويؤمنان بأهمية الحوار وخفض التصعيد وحماية أمن الدول وسيادتها.
وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا الموضوع حاضراً في لقاء جلالة الملك مع معالي رئيس مجلس الشورى العُماني؛ إذ بحث اللقاء التطورات الإقليمية وضرورة خفض التصعيد وضمان أمن الدول العربية وسيادتها.
وهذه مواقف لا تحتاج إلى كثير من الضجيج كي تكون مؤثرة. فبعض الدول تتحدث بصوت مرتفع كي تُسمع، بينما تتحدث دول أخرى بحكمة تجعل الآخرين يصغون. وعُمان والأردن من مدرسة الحكمة.
وأنا أكتب هذه السطور، أتخيل المسافة بين عمّان ومسقط، فأجدها أقصر بكثير مما ترسمه الخرائط. فبين البتراء وصلالة، وبين وادي رم والبريمي، وبين البحر الميت وسواحل عُمان، تمتد مساحة من الجمال العربي الذي يستحق أن يُكتشف ويُروى للعالم.
لكن أجمل ما في هذه المسافة أن هناك طريقاً آخر لا ترسمه الخرائط:
إنه طريق المحبة. طريق بدأته قيادتان حكيمتان، وحافظ عليه شعبان شقيقان، ورسخه السفراء والدبلوماسيون، وأغنته اللقاءات والمؤتمرات والزيارات، وتمنحه اليوم الأجيال الجديدة فرصة ليصبح أكثر اتساعاً وعمقاً.
أهلاً بمعالي الشيخ خالد بن هلال المعولي في الأردن.أهلاً بمعاليه في المملكة التي تعرف لعُمان مكانتها، ولشعبها أصالته، ولقيادتها حكمتها.
وأهلاً بمعاليه بين أهله وإخوانه.
وأنا، الذي حملت معي من عُمان ذكريات البريمي وعبق صلالة ودفء مسقط، أجد في هذه الزيارة مناسبة لأقول إن العلاقة الأردنية العُمانية ليست صفحة في كتاب الدبلوماسية العربية، وإنما فصل مضيء من كتاب الأخوة العربية.
لقد علّمتني عُمان أن بعض الأوطان يمكن أن تدخل القلب دون استئذان.
وعلّمتني صلالة أن بعض الأمكنة لا نغادرها حتى لو غادرناها.
وعلّمتني البريمي أن الجغرافيا قد تفصل بين المدن، لكنها لا تستطيع أن تفصل بين القلوب.
وعلّمتني الدبلوماسية أن أجمل العلاقات هي تلك التي تتحول فيها الصداقة الشخصية إلى جسر بين الشعوب.
واليوم، مع حلول معالي الشيخ المعولي في رحاب المملكة، أشعر أن المشهد يكتمل:
عُمان حاضرة في الأردن، والأردن حاضر في عُمان؛ مسقط تصافح عمّان، وصلالة تبتسم للبتراء، والبريمي تستعيد في الذاكرة طريقاً من المحبة لا ينقطع.
إنها عُمان التي نحب، والأردن الذي نعتز به. وما بينهما ليست مسافة جغرافية...
بل أخوة راسخة، وحكمة مشتركة، ومحبة لا تحتاج إلى ترجمان.