حين يصبح الحكم مسؤولية أمام الله والناس
د. بركات النمر العبادي
09-09-2026 11:15 AM
ليس الحكم في الأردن، في جوهره، مجرد ممارسة للسلطة أو إدارة لشؤون الدولة، وإنما هو قبل ذلك أمانة ومسؤولية ، وهذه الحقيقة هي واحدة من أعمق الدلالات التي يمكن استحضارها عند قراءة تجربة مكتب خدمة الجمهور في الديوان الملكي الهاشمي العامر، وما قدمه من خدمات مباشرة للمواطنين على امتداد سنوات طويلة.
فالدولة التي يشعر مواطنها أن أبوابها مفتوحة أمامه ، وأن شكواه تسمع ، وحاجته تدرس، وظرفه الإنساني لا يُترك للصدفة ، هي دولة تجعل من الإنسان غاية للخدمة العامة ، لا مجرد رقم في سجلاتها.
ومن هنا تأتي أهمية إنشاء مكتب خدمة الجمهور في الديوان الملكي عام 2012؛ إذ لم يكن مجرد إضافة إدارية إلى مؤسسة قائمة، بل كان تعبيراً عملياً عن رؤية أرادها جلالة الملك عبد الله الثاني: أن تكون الدولة قريبة من مواطنيها، وأن تصل الخدمة إلى من يحتاجها، ولا سيما الفئات التي أثقلت الحياة ظروفها وأصبحت عاجزة عن مواجهة تكاليف العلاج أو متطلبات المعيشة.
لقد شملت خدمات المكتب مجالات تمس حياة المواطن بصورة مباشرة؛ من الإعفاءات الطبية والعلاج ، إلى المساعدات المالية والاجتماعية ، ودراسة الحالات الإنسانية ، ومساعدة المتقاعدين العسكريين ، ومتابعة احتياجات المواطنين وربطهم بالجهات الرسمية المختصة. وهي خدمات لا يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات بيروقراطية فحسب ، لأنها تتصل بأكثر ما يملك الإنسان حساسية: صحته ، وكرامته ، وأمن أسرته ، وقدرته على مواجهة ظروف الحياة.
وهنا تظهر فلسفة الحكم التي تميزت بها الدولة الأردنية في ظل القيادة الهاشمية ؛ فالمواطن ليس بعيداً عن الدولة ، والديوان الملكي ليس مؤسسة مغلقة عن الناس ، بل ظل على الدوام عنواناً للتواصل والاستماع ، وبيتاً يلجأ إليه من ضاقت به السبل.
وقد عبّر جلالة الملك عن جوهر هذه المسؤولية بوضوح عندما جعل تحسين نوعية حياة المواطن ومكافحة الفقر والبطالة والإصلاح من أولويات العمل العام. وهذه ليست مجرد أهداف اقتصادية أو إدارية ؛ إنها في معناها الأعمق مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان الأردني.
فالحكم الرشيد لا يُقاس فقط بعدد المشاريع التي تُفتتح ، ولا بحجم الخطط والبرامج التي تعلن، وإنما بالسؤال الأبسط والأكثر صدقاً: هل يشعر المواطن أن حياته أصبحت أفضل؟
هل أصبح العلاج أقرب؟
هل أصبحت الخدمة أسرع؟
هل أصبحت الأسرة الفقيرة أكثر أمناً؟
هل وجد صاحب الحاجة من يسمعه؟
وهل يشعر الأردني أن الدولة تقف إلى جانبه عندما تضيق به الظروف؟
هذه هي الأسئلة التي تمنح الإنجاز العام معناه الحقيقي.
ومن هذه الزاوية ، فإن مكتب خدمة الجمهور يمثل نموذجاً مهماً لفكرة الدولة التي لا تكتفي بإصدار القرار ، بل تتابع أثره على حياة الناس. فالقرار الذي لا يصل إلى المواطن ، أو المساعدة التي لا تصل إلى مستحقها ، أو الخدمة التي تضيع في دهاليز الإجراءات ، تفقد كثيراً من قيمتها مهما كان جمالها على الورق.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تربط بين مفهومين متلازمين في الفكر السياسي الأردني المحافظ: هيبة الدولة ورعاية المواطن. فالدولة القوية ليست الدولة البعيدة عن شعبها، كما أن الرحمة بالمواطن لا تعني ضعف المؤسسات ؛ بل إن قوة الدولة الحقيقية تظهر عندما تجمع بين القانون والعدل، وبين النظام والإنسانية ، وبين هيبة السلطة وكرامة المواطن.
ومن هنا يمكن فهم حرص جلالة الملك على أن يرى المواطن نتائج ملموسة في حياته ، لا أن يسمع فقط عن إنجازات الدولة. فالمواطن يريد أن يشعر بأن دخله ، وصحته ، وتعليمه ، وسكنه ، وأمن أسرته ، وفرص أبنائه ، تتجه تدريجياً نحو الأفضل. فالسياسة في نهايتها ليست أرقاماً وتقارير، وإنما حياة إنسان.
إن الرؤية الملكية التي تقف خلف هذه المبادرات تنطلق من فهم عميق لمعنى المسؤولية ؛ فالملك، في الوجدان الهاشمي ، لا ينظر إلى الحكم باعتباره امتيازاً ، بل تكليفاً. والسلطة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الدولة وخدمة الناس وصون كرامتهم.
وهذا المعنى يستعيد في الذاكرة السياسية والدينية مفهوم الأمانة ؛ فكل مسؤول ، في موقعه ، مؤتمن على مصالح الناس، وسيُسأل عما فعل بهذه الأمانة. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يتركه الحكم في حياة الناس ليس كثرة الخطابات، وإنما أثر الخير الذي يبقى بعد انتهاء المناسبة وانطفاء الأضواء.
إن مكتب خدمة الجمهور، بما قدمه من خدمات ومساعدات وحلول للحالات الإنسانية ، يجسد جانباً من هذا المعنى: أن تصل الدولة إلى الإنسان حين يحتاجها ، وأن يجد المواطن في مؤسسات وطنه سنداً لا عبئاً إضافياً.
وإذا كانت المبادرات الملكية قد نجحت في تخفيف معاناة آلاف المواطنين ، فإن التحدي الأكبر اليوم هو أن تتحول فلسفة المبادرة والرعاية إلى ثقافة مؤسسية راسخة في جميع مؤسسات الدولة ؛ بحيث تصبح سرعة الاستجابة ، واحترام المواطن ، وعدالة الخدمة ، وحماية كرامته ، جزءاً أصيلاً من الإدارة العامة.
فالمواطن الأردني لا يريد دولة تمنحه المساعدة فقط عندما يشتد عليه العسر، وإنما يريد دولة تمكنه من أن يعيش بكرامة ، وأن يعمل ، وأن ينتج ، وأن يرى مستقبلاً أفضل لأبنائه.
وهنا تلتقي الرعاية الملكية مع مسؤولية الدولة ومع كرامة المواطن في مثلث واحد : دولة قوية وعادلة ، قيادة تشعر بمسؤوليتها ، ومواطن يرى أثر ذلك في حياته.
وفي النهاية، يبقى المعنى الأعمق لهذه التجربة أن الحكم ليس سلطة فوق الناس، وإنما أمانة في أعناق من حملوا مسؤولية الناس. وفي الأردن، حيث ارتبطت القيادة الهاشمية تاريخياً بمعاني العهد والبيعة والرعاية، يصبح هذا المفهوم أكثر حضوراً: أن يكون المسؤول خادماً للصالح العام، وأن يكون معيار النجاح الحقيقي هو مقدار الخير الذي يتركه في حياة الناس.
ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن يقال عن أي مبادرة أو مؤسسة أو مشروع ليس أنها أُنجزت ، وإنما أنها غيّرت حياة إنسان إلى الأفضل. تلك هي قيمة الإنجاز الحقيقي؛ أن يشعر المواطن الأردني أن دولته تسمع ، وأن قيادته تشعر به ، وأن مؤسسات وطنه تعمل من أجله، وأن المستقبل الذي ينتظره أبناؤه يمكن أن يكون أفضل من الحاضر.
وهكذا يصبح الحكم، في معناه الإنساني والأخلاقي، مسؤولية أمام الله، وأمانة أمام الوطن، وعهداً مع الإنسان الأردني.
حمى الله الوطن وقيادته الهاشمية من كل كريهة ..