عمون .. حين تصبح الصحافة ذاكرة وطن
د. بركات النمر العبادي
09-09-2026 05:04 PM
هناك مؤسسات يمرّ عليها الزمن، وهناك مؤسسات يمرّ الزمن من خلالها.
وعشرون عاماً من عمر «عمون» ليست مجرد مناسبة للاحتفال بتأسيس موقع إخباري، وإنما مناسبة للتوقف أمام تجربة أصبحت، بمرور السنوات، جزءاً من الذاكرة الإعلامية والوطنية الأردنية.
فحين انطلقت «عمون» قبل أكثر من عقدين، لم تكن الصحافة الإلكترونية قد أصبحت ما هي عليه اليوم، كانت الفكرة أقرب إلى مغامرة؛ شاشة صغيرة في عالم ما زال يرى في الصحيفة الورقية عنواناً وحيداً للصحافة، لكن الزمن أثبت أن الرهان على المستقبل كان في مكانه، وأن الكلمة لا تحتاج إلى ورق كي تعيش، بل تحتاج إلى ثقة القارئ.
ومن هنا بدأت الحكاية.
لم تكن قيمة «عمون» في أنها سبقت غيرها إلى الفضاء الإلكتروني فحسب، وإنما في أنها استطاعت أن تجعل من هذا الفضاء مكاناً عاماً للأردنيين؛ يدخل إليه المواطن والمسؤول، صاحب الرأي وصاحب الشكوى، الباحث عن الحقيقة والباحث عن تفسير لما يجري حوله.
وهنا تحديداً تكمن فلسفة الصحافة.
فالصحافة، في أعمق معانيها، ليست سلطة فوق المجتمع، وليست خصماً للدولة، وليست مجرد ناقل محايد للأحداث، إنها واحدة من المساحات التي تلتقي فيها الدولة بالمجتمع، ويصبح فيها السؤال حقاً، والنقد مسؤولية، والخبر أمانة.
ولذلك كانت «عمون» في كثير من لحظاتها نبضاً للمواطن ومتنفساً للأغلبية الصامتة؛ لأولئك الذين لا يملكون منبراً ولا وسيلة للوصول إلى أصحاب القرار، لكنهم يملكون ما هو أهم : إحساسهم بأن الوطن شأنهم، وأن لهم حقاً في أن تُسمع أصواتهم.
وفي بلد كالأردن، حيث ظلت الدولة عبر تاريخها تقوم على فكرة التوازن بين الاستقرار والتحديث ، وبين هيبة الدولة وحق المجتمع في التعبير، تصبح الصحافة الوطنية جزءاً من هذا التوازن، لا خروجاً عليه.
الإعلام الوطني الحقيقي لا يضع نفسه في مواجهة الدولة، كما أنه لا يضع نفسه فوق المواطن. وظيفته الأصعب أن يقف إلى جانب الحقيقة، وإلى جانب المصلحة الوطنية، وأن يترك مساحة للأسئلة التي لا يجوز أن تموت بالصمت.
ومن هذه الزاوية ، فإن مسيرة «عمون» ليست مسيرة أخبار فقط ؛ إنها سجل حي لتحولات الأردن خلال أكثر من عشرين عاماً ، أجيال تغيّرت ، وحكومات تعاقبت ، وأحداث كبرى مرت، وأزمات ظهرت واختفت، ومجتمع تغيرت لغته ووسائل تعبيره، فيما بقيت الكلمة الصحفية شاهدة على كل ذلك.
فالخبر الذي نقرأه اليوم وننساه غداً ، قد يصبح بعد سنوات وثيقة تقول للأجيال القادمة: هكذا كان الأردن يفكر، وهكذا كان الأردنيون يرون أنفسهم في تلك اللحظة من التاريخ.
وهذا هو الفرق بين موقع ينشر الأخبار، ومؤسسة تصنع الذاكرة.
ولعل المفارقة أن الصحافة اليوم تواجه تحدياً أكبر من ذلك الذي واجهته «عمون» عند تأسيسها. ففي زمن الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، وسرعة تداول المعلومة، لم يعد السؤال: من يستطيع أن ينشر الخبر أولاً؟ وإنما أصبح السؤال الأهم: من يستطيع أن يعرف إن كان الخبر يستحق أن يُنشر أصلاً؟
لقد أصبح بإمكان الآلة أن تكتب ، وأن تلخص ، وأن تنتج آلاف المواد في دقائق ؛ لكنها لا تستطيع أن تحمل مسؤولية الكلمة أمام ضمير المجتمع.
وهنا ستبقى الصحافة الإنسانية عصية على الاستبدال.
فالصحافة تحتاج إلى عقل يسأل، وعين ترى ما وراء الصورة، وقلب يشعر بالناس، وضمير يعرف أن الكلمة قد تبني، وقد تجرح ، وقد تصلح ، وقد تهدم.
ومن هنا فإن الاحتفال بعشرين عاماً من «عمون» ينبغي ألا يكون احتفالاً بالماضي وحده ، بل تجديداً للعهد مع المستقبل ؛ مستقبل تكون فيه المهنية أكثر صرامة ، والحقيقة أكثر حضوراً، والمسؤولية الوطنية أكثر وضوحاً ، والإنسان الأردني دائماً في قلب الحكاية.
وفي هذه المناسبة، لا يسعنا إلا أن نحيّي أسرة «عمون»، وفي مقدمتها ناشرها ورئيس تحريرها الأستاذ سمير الحياري، وكل الصحفيين والعاملين الذين حملوا عبء هذه التجربة عاماً بعد عام.
عشرون عاماً ليست دليلاً على طول العمر فقط؛ إنها دليل على أن مؤسسة إعلامية استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً في وجدان الناس.
وهذا هو الاختبار الأصعب لأي صحيفة. أن تبقى حاضراً حين تتغير الأزمنة ، وأن يبقى القارئ قادراً على أن يقول: هناك من يسمعني.
كل عام و«عمون» بخير، وكل عام والكلمة الأردنية أكثر حرية ومسؤولية ووعياً.
عشرون عاماً مضت... وستبقى قيمة «عمون» الحقيقية في أن ما كتبته لم يكن خبراً عابراً، بل جزءاً من حكاية وطن.
حمى الله الوطن وقيادته الهاشمية من كل كريهة