من أغلق مضيق هرمز؟ الحقيقة ضحية الرواية السياسية
محمد نور الدباس
10-09-2026 10:18 AM
ليس كل ما يُقال عن مضيق هرمز هو الحقيقة الكاملة؛ عندما تنخفض حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات تقترب من الشلل، يصبح السؤال الطبيعي" من أغلق المضيق"؟ والسؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة ليست كذلك، ففي زمن الحروب، لا تُخاض المعارك بالصواريخ والطائرات والسفن الحربية فقط، وإنما تُخاض أيضًا بالكلمات والروايات، وكل طرف يحاول أن يكتب الرواية التي تخدم موقفه، حتى يصبح تحميل المسؤولية للطرف الآخر جزءًا من المعركة ذاتها، والحقيقة أن اختزال أزمة مضيق هرمز في جملة «إيران أغلقت المضيق» لا يشرح الصورة كاملة.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ وهو ليس تفصيلًا جغرافيًا عابرًا؛ بل هو أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، وقبل اندلاع الحرب الحالية، كان يمر عبره نحو 125 سفينة تجارية يوميًا، فيما يشكل الممر طريقًا بالغ الأهمية لتدفقات النفط والغاز العالمية، أما في الرابع من شهر أيلول، فلم ترصد بيانات حركة الملاحة سوى أربع سفن تجارية للسلع عبر المضيق في ذلك اليوم، فهذا الانخفاض الهائل لا يمكن تفسيره بقرار منفرد أو تصريح سياسي منفر، والنتيجة بيئة بحرية تحولت إلى منطقة حرب.
نعم، إيران تتحمل مسؤولية مباشرة؛ ولا يمكن تجاهل الدور الإيراني، فإيران استخدمت المضيق كورقة من أوراق اللعب وهددت الملاحة، وفرضت قيودًا على بعض السفن، وارتبط اسم قواتها بهجمات على سفن وتهديدات للممرات البحرية، كما أن استمرار المخاوف من الألغام والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة جعل شركات النقل والتأمين تنظر إلى المضيق باعتباره منطقة شديدة الخطورة، وبالتالي، فإن القول إن إيران ساهمت في إغلاق المضيق فعليًا أو في خفض حركة الملاحة فيه ليس اتهامًا بلا أساس، لكن المشكلة تبدأ عندما نتوقف عند هذه النقطة.
ماذا عن الحصار الأمريكي؟ والولايات المتحدة لم تكن مجرد طرف يراقب المشهد من بعيد، فواشنطن أعادت فرض حصار بحري على الشحن المرتبط بإيران في منتصف يوليو، وأدى ذلك إلى توقف شبه كامل لصادرات النفط الخام الإيرانية عبر المضيق، بل إن الولايات المتحدة أعلنت قدرتها على استمرار الحصار البحري لفترة طويلة.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا؛ فإذا كان طرف ما يفرض حصارًا بحريًا يمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، وطرف آخر يهدد السفن ويهاجم بعضها ويجعل المرور محفوفًا بالمخاطر، فهل من العدل أن ننسب انهيار حركة الملاحة إلى طرف واحد؟ والجواب المنطقي: لا، فالمضيق لم يُغلق بقرار واحد، والحقيقة الأكثر دقة هي أن مضيق هرمز أصبح ضحية للحرب الأمريكية–الإيرانية.
الولايات المتحدة مارست الضغط البحري والعسكري، وإيران ردت بالتهديدات والهجمات والإجراءات المضادة، والسفن التجارية وجدت نفسها في المنتصف، والنتيجة؛ أن السفن لا تحتاج إلى أن تتلقى أمرًا رسميًا بعدم الإبحار حتى تتوقف، فيكفي أن تصبح الرحلة شديدة الخطورة، وأن ترتفع كلفة التأمين، وأن تصبح السفينة معرضة للاستهداف أو الاعتراض أو المصادرة، حتى يقرر مالكو السفن ببساطة عدم الإبحار، وهنا يتحول الخطر العسكري إلى حصار اقتصادي، ويتحول الخوف إلى أداة سياسية.
ومن يدفع الثمن؟ ليس الإيراني وحده، ولا الأمريكي وحده، ولا الخليجي وحده، إنه الاقتصاد العالمي، فمضيق هرمز ليس ملكًا لإيران، وليس ملكًا للولايات المتحدة، وليس ملكًا للدول الخليجية، بل هو ممر بحري دولي ذو أهمية عالمية، وأي تعطيل لحركته ينعكس على أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، وعلى الدول المستوردة للطاقة في مختلف أنحاء العالم، وقد بدأت بالفعل تظهر آثار الاضطراب في أسواق الطاقة، مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات.
أخطر ما في المسألة هو تضليل السؤال، حين نسأل "من أغلق مضيق هرمز؟" وننتظر اسمًا واحدًا، فنحن نسمح للرواية السياسية بأن تحل محل التحليل، والسؤال الأكثر دقة هو "من الذي خلق الظروف التي جعلت الملاحة في مضيق هرمز شبه مستحيلة؟" وهنا نجد سلسلة كاملة من المسؤوليات؛ حرب بدأت بالتصعيد العسكري، وضربات أمريكية، وردود إيرانية، وحصار بحري أمريكي، وهجمات وتهديدات على السفن، ومخاوف من الألغام، وارتفاع مخاطر التأمين، ثم إحجام شركات النقل عن تعريض سفنها وأطقمها للخطر، هذه هي الصورة الكاملة.
لا يمكن إغلاق الحقيقة كما يُغلق المضيق، المشكلة ليست فقط في أن مضيق هرمز أصبح أقل عبورًا، بل المشكلة في أن الحقيقة نفسها أصبحت محاصرة بين روايتين؛ رواية تقول: إيران أغلقت المضيق، ورواية مقابلة تقول: الولايات المتحدة هي التي عطلت الملاحة من خلال الحصار، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من الروايتين، فإيران تتحمل مسؤولية عن أفعال وتهديدات أضرت بأمن الملاحة، والولايات المتحدة تتحمل مسؤولية عن الحصار والعمليات العسكرية التي ساهمت في خفض حركة السفن، وتشير بيانات الملاحة نفسها إلى أن الانخفاض جاء في سياق الحرب والتصعيد المتبادل، لا نتيجة عامل منفرد.
المعركة الحقيقية ليست على المضيق فقط؛ فما يجري في هرمز يكشف شيئًا أكبر من مجرد أزمة ممر مائي، وهو صراع على من يملك القدرة على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي، فالذي يستطيع أن يمنع السفينة من المرور، أو يخيفها من المرور، أو يجعل التأمين عليها باهظًا، أو يجعل طاقمها يخشى الإبحار، يمتلك سلاحًا اقتصاديًا لا يقل خطورة عن الصاروخ، وهنا تكمن خطورة الأزمة، فإذا أصبحت الممرات البحرية الدولية رهينة للصراعات العسكرية، فإن العالم لا يواجه أزمة في مضيق واحد، بل يواجه تهديدًا للنظام التجاري العالمي بأكمله.
خلاصة القول؛ ليس السؤال الحقيقي: هل أغلقت إيران مضيق هرمز؟ وليس السؤال هل أغلقته الولايات المتحدة؟ بل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة "من حوّل واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم إلى ساحة حرب؟" وعندما نجيب عن هذا السؤال، سنكتشف أن المسؤولية ليست كلمة واحدة ولا دولة واحدة ولا قرارًا واحدًا، بل هي نتيجة حرب وتصعيد وحصار وتهديدات وهجمات متبادلة، أما الخاسر الحقيقي، فهو ليس طرفًا في الحرب أصلًا، بل العالم الذي يحتاج إلى أن تبقى الممرات البحرية مفتوحة، والتجارة آمنة، والطاقة متاحة، والقانون الدولي أقوى من منطق القوة، فالمضيق قد يُغلق بالصواريخ أو بالألغام أو بالحصار أو بالخوف، لكن الأخطر من إغلاق المضيق هو أن نسمح أيضًا بإغلاق الحقيقة.