إصلاح التعليم أم إعادة إنتاج أزمة التوجيهي؟
د. بركات النمر العبادي
10-09-2026 10:59 AM
أم هل نغيّر الامتحان أم نغيّر فلسفة التعليم؟
قراءة نقدية في إصلاح الثانوية العامة:
ليس من الحكمة أن تتحول قضية التعليم في الأردن إلى معركة بين مؤيد للتوجيهي ومعارض له، ولا إلى سجال شخصي حول وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية. فالقضية أكبر من الأشخاص، وأخطر من أن تختصر في قرار إداري أو نظام امتحاني.
إننا نتحدث عن مستقبل جيل كامل.
ولهذا فإن أي إصلاح في التعليم يجب أن يخضع لقاعدة وطنية واضحة: نعم للتطوير، ولكن لا للتجريب في مستقبل أبنائنا.
لقد كان نظام الثانوية العامة ، بصورته التقليدية ، موضع نقد طويل ، ولا أحد يستطيع إنكار أن مركزية الامتحان وضغطه النفسي والاجتماعي قد أفرزا ظواهر تربوية واقتصادية تحتاج إلى المعالجة، من الدروس الخصوصية إلى ثقافة الحفظ، ومن القلق الأسري إلى اختزال سنوات التعلم في معدل رقمي. ولكن معالجة هذه الاختلالات لا تعني بالضرورة أن تغيير الامتحان وحده سيصلح التعليم.
وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة.
إلغاء التوجيهي لا يعني انهاء مشكلاته.
فإذا ظل الطالب يدرس من أجل العلامة، وظل المعلم أسير المنهج التقليدي، وظلت الأسرة تنظر إلى المعدل باعتباره مفتاح المستقبل، وظلت الجامعات تستخدم الدرجات معيارًا رئيسيًا للمفاضلة، فإننا قد نكون أمام توجيهي جديد، حتى لو حمل اسمًا مختلفًا.
السؤال الذي يجب أن نطرحه
السؤال الحقيقي ليس: هل النظام الجديد أفضل من النظام القديم؟
السؤال هو:
هل النظام الجديد قادر على إنتاج طالب أفضل؟
طالب يفكر بدل أن يحفظ.
يحل المشكلات بدل أن يبحث عن الإجابة النموذجية.
يستطيع استخدام التكنولوجيا بدل أن يكون مجرد مستهلك لها.
يمتلك مهارات التواصل والبحث والتحليل.
يعرف كيف يتعلم، لا ماذا يحفظ فقط.
ويخرج من المدرسة مستعدًا للجامعة والعمل والحياة.
إذا لم يحقق الإصلاح هذه الغاية، فإن تغيير شكل الثانوية العامة يصبح تغييرًا إداريًا أكثر منه إصلاحًا تربويًا.
من امتحان مصيري إلى امتحان عام
من حيث المبدأ، تخفيف مركزية الامتحان الواحد خطوة تستحق الدراسة ، لكن علينا أن ننتبه إلى خطر آخر.
إذا تحول الامتحان العام إلى بوابة أساسية للقبول الجامعي، فقد ينتقل الضغط من التوجيهي إلى الامتحان الجديد.
وقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام الطالب والأسرة نفسيهما، والقلق نفسه، والدروس الخصوصية نفسها ، والمنافسة نفسها، ولكن تحت عنوان مختلف.
فالمشكلة ليست في اسم الامتحان، وإنما في الوظيفة التي يؤديها.
إذا ظل الامتحان هو الحاكم الأكبر لمستقبل الطالب، فإننا لم نعالج جوهر المشكلة، بل أعدنا إنتاجها بصورة جديدة.
هناك قضية أكثر خطورة ينبغي ألا تمر في النقاش مرورًا عابرًا: العدالة التعليمية.
عندما نعطي المدرسة دورًا أكبر في التقييم والمسار التعليمي، فإننا نفترض ضمنًا أن المدارس متقاربة في الإمكانات والكفاءات.ولكن الواقع يقول إن هناك فروقًا في أعداد الطلبة، وفي توفر المعلمين، وفي المختبرات، والتكنولوجيا، والإرشاد، والبيئة التعليمية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل سيحصل الطالب في مدرسة محدودة الإمكانات على الفرصة نفسها التي يحصل عليها الطالب في مدرسة ذات إمكانات مرتفعة؟
إذا لم نضمن ذلك، فقد يتحول الإصلاح إلى مصدر جديد للتفاوت الاجتماعي.
فالعدالة التعليمية لا تعني أن نعطي جميع الطلبة النظام نفسه فقط ؛ بل أن نضمن لهم فرصًا حقيقية ومتقاربة للنجاح.
فحرية الاختيار تحتاج إلى بوصلة ، ومن الإيجابيات التي يمكن أن يحملها النظام الجديد توسيع خيارات الطالب ومنحه مساحة أكبر لاختيار المواد والمسارات.
لكن لا يمكن أن نحمّل طالبًا في السادسة عشرة أو السابعة عشرة مسؤولية اتخاذ قرار قد يحدد تخصصه الجامعي ومستقبله المهني من دون أن نوفر له منظومة إرشاد قوية. اذن ليس المطلوب أن نقول للطالب: اختر. بل المطلوب أن نقول له:
نعرف قدراتك، ونعرف ميولك، ونعرف احتياجات الاقتصاد، وسنساعدك على اختيار الطريق الذي يناسبك.
وهذا يتطلب مرشدًا تربويًا مؤهلًا، وأدوات علمية لقياس الميول والقدرات، وقاعدة بيانات وطنية عن التخصصات والوظائف المستقبلية ، وإلا فإن «حرية الاختيار» قد تصبح حرية في اتخاذ قرار خاطئ.
التعليم لا ينفصل عن سوق العمل ، فازمة التعليم الأردني لا تبدأ من الثانوية ولا تنتهي عندها.
لدينا سؤال أكبر:
ماذا نريد من التعليم أن ينتج؟
إذا كانت الجامعات ستستمر في تخريج أعداد كبيرة في تخصصات لا يحتاجها الاقتصاد، فإن تغيير نظام الثانوية لن يحل المشكلة.
وإذا كان الطالب سيختار تخصصه من دون أن يعرف اتجاهات سوق العمل، فإننا سنستمر في إنتاج البطالة المؤهلة. من هنا يحتاج الأردن إلى عقل وطني يخطط للتعليم لعشر سنوات وعشرين سنة ، لا لعام دراسي واحد.
نحتاج إلى معرفة التخصصات التي يحتاجها الاقتصاد، والتخصصات المشبعة، والمهن التي ستتراجع بفعل الأتمتة، والمهن التي سيولدها الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
ونحتاج إلى تعليم يهيئ أبناءنا لعالم الطاقة والمياه والأمن السيبراني والزراعة الحديثة والصناعات الرقمية والاقتصاد الأخضر والسياحة والتكنولوجيا.
التعليم ليس وزارة فقط ؛ التعليم هو سياسة دولة.
المعلم ليس الحلقة الأضعف
لا يمكن إنجاح أي إصلاح إذا بقي المعلم في موقع المتلقي للتعليمات. والمعلم هو قلب الإصلاح.
فإذا أردنا منه أن يغيّر طريقة التدريس، فعلينا أن نغير أدواته ونوفر له التدريب والوقت والموارد.
وإذا أردنا منه تقييم الطالب بطريقة جديدة ، فعلينا أن نمنحه أدوات تقييم حديثة ومعايير واضحة. أما أن تتغير التعليمات وتبقى البيئة المدرسية كما هي، فهذه وصفة لإرباك الميدان ، ولهذا يجب أن يكون المعلم شريكًا في صناعة الإصلاح، لا مجرد منفذ له.
هل نحتاج إلى تغيير الوزير؟
هنا يجب أن يكون النقاش هادئًا ومسؤولًا.
الوزير ليس الدولة، والوزارة ليست شخصًا.
لكن الوزير مسؤول سياسيًا وإداريًا عن المرحلة التي يديرها ، وعن مستوى وضوح القرار، وجاهزية الوزارة ، والتواصل مع الميدان، وقدرة السياسات على تحقيق أهدافها.
لذلك فإن الدعوة إلى تغيير الوزير، إن طُرحت، يجب ألا تُفهم باعتبارها خصومة شخصية، وإنما باعتبارها إحدى أدوات المساءلة السياسية وتصحيح المسار.
لكن تغيير الوزير وحده لا يكفي.
إذا ذهب وزير وجاء آخر وبقيت طريقة صناعة القرار نفسها، وبقيت الإصلاحات رهينة الأشخاص، فسوف نعيد إنتاج المشكلة.
المطلوب هو أن يتحول التعليم من مشروع وزير إلى مشروع دولة.
من منظور الفكر المحافظ الأردني الحديث الإصلاح الحقيقي لا يعني هدم القديم لمجرد أنه قديم، ولا يعني رفض الجديد لمجرد أنه جديد.
وهنا يقدم الفكر المحافظ الأردني الحديث قاعدة مهمة:
نحافظ على ما يستحق الحفاظ عليه ، ونطور ما يحتاج إلى التطوير، ولا نغامر باستقرار المجتمع من أجل حداثة شكلية.
التعليم يجب أن يكون حديثًا، لكنه لا ينبغي أن يكون بلا هوية.
نريد مدرسة تواكب الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، ولكنها في الوقت نفسه تربي على المسؤولية والانتماء والهوية الوطنية والقيم.
نريد طالبًا أردني الانتماء، عربي الهوية، عالمي المعرفة، قادرًا على المنافسة دون أن يفقد جذوره.
هذه هي الحداثة التي نحتاجها : حداثة تبني ولا تهدم، وتطور ولا تقتلع، وتنفتح على العالم دون أن تفقد المجتمع شخصيته.
الإصلاح يحتاج إلى شجاعة المراجعة
من الخطأ الاعتقاد أن نجاح المسؤول يقاس بقدرته على الدفاع عن كل قرار اتخذه. ولكن المسؤول الناجح هو الذي يستطيع أن يقول:
هذا القرار يحتاج إلى مراجعة.
فالسياسة العامة ليست نصًا مقدسًا.
والنظام الإداري ليس غاية في ذاته.
وإذا كشفت التجربة عن خلل، فإن تصحيحه ليس ضعفًا، بل قوة في الإدارة.
ولهذا يجب أن تخضع منظومة الثانوية العامة الجديدة إلى تقييم مستقل وشفاف ومستمر، يستند إلى بيانات حقيقية، ويستمع إلى الطلبة والمعلمين والأسر
والجامعات والخبراء، ويقيس النتائج لا النوايا.
وأخيرًا...
نحن لا نريد العودة إلى الماضي لمجرد الخوف من المستقبل.
ولا نريد الدفاع عن التوجيهي لمجرد أنه كان قائمًا.
كما أننا لا نريد رفض الإصلاح لمجرد أنه جديد.
لكننا نريد أن يكون الإصلاح علميًا، تدريجيًا، عادلًا، واضحًا، مستقرًا، وقابلًا للمراجعة.
نريد نظامًا لا يربك الطالب، ولا يرهق الأسرة، ولا يضع المعلم أمام قرارات غير واضحة، ولا يجعل المدرسة مختبرًا لسياسات لم تختبر بما يكفي.
ونريد قبل ذلك كله أن نعرف إلى أين نريد أن نصل.
فقد تتغير الحكومات.
وقد يتغير الوزراء.
وقد تتغير الأنظمة والتعليمات.
لكن الطالب لا يستطيع استعادة عام ضاع من عمره.
لهذا نقول بوضوح:
التعليم أكبر من وزير.
والمدرسة أكبر من وزارة.
والثانوية العامة أكبر من امتحان.
ومستقبل أبنائنا أكبر من أن يكون حقلًا للتجارب.
إن أردنا إصلاحًا حقيقيًا، فلنبدأ من السؤال الصحيح:
ليس كيف نغيّر امتحان الثانوية، بل كيف نبني إنسانًا أردنيًا قادرًا على صناعة المستقبل.
وهنا فقط يبدأ الإصلاح الحقيقي.
حمى الله الاردن و قيادته الهاشمية من كل كريهة..