الذكاء الاصطناعي تحت النار .. هل الخوف على الإنسان أم على أرباح الإنترنت؟
د. عبير الرحباني
15-09-2026 11:09 AM
فجأةً.. إمتلأت المنصات والمواقع بالتحذيرات من الذكاء الاصطناعي.. وبالحديث عن مخاطره على الإنسان والمجتمع والمستقبل.. حتى إن كبار قادة شركات التكنولوجيا أنفسهم يطالبون اليوم بإبطاء تطوير النماذج الأكثر تقدما.. بينما تتصاعد المعركة السياسية في الولايات المتحدة حول تنظيمه.
كما أن ترامب نفسه خرج مؤخرا ورفض بشدة فكرة أن هناك حاجة إلى تشديد كبير للرقابة.. ووصف بعض المخاوف بأنها "مؤامرة" و"خدعة".. لأنه يرى أن الذكاء الاصطناعي جزء أساسي من المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين.
يعني أمريكا نفسها أمام معادلة:
(نريد الذكاء الاصطناعي لأننا نريد أن نكون القوة الأولى عالميا فيه.. لكننا نخشى آثاره على الوظائف والمعلومات والأمن والمجتمع).
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:
هل كل هذه الهجمة خوف على البشرية فقط؟ أم أن وراءها خوفا آخر على اقتصاد الإنترنت نفسه؟!!
فالذكاء الاصطناعي بدأ يغير القاعدة التي بُني عليها الإنترنت لعقود.. وبدأ يضرب نموذج الإنترنت القديم من حيث المحتوى.. والزيارات.. والإعلانات.. والأرباح.
إذ أصبح المستخدم يستطيع أن يسأل الذكاء الاصطناعي ويحصل على إجابة مركبة ومباشرة بدلا من أن يدخل إلى عشرة مواقع..
أما اليوم.. فقد يسأل المستخدم الذكاء الاصطناعي.. فيحصل على الإجابة كاملة من دون أن يزور الموقع أصلا..
وهنا نطرح سؤالا هاما!! من سيحصل على الزيارة؟ ومن سيحصل على الإعلان؟ ومن سيستفيد من المحتوى الأصلي؟
وهنا تبدأ المشكلة.. فقد أظهرت بيانات حديثة انخفاضا متوسطة أكثر من 10% في حركة الويب لدى عينة من الشركات بعد انتشار إجابات البحث بالذكاء الاصطناعي.. فيما تواجه المؤسسات الصحفية والناشرون تراجعا متزايدا في الزيارات القادمة من البحث التقليدي..
وهذه ليست نظرية فقط.. فهناك الآن صراع قانوني كبير في الولايات المتحدة أيضا حول استخدام الكتب والصحافة والمحتوى المحمي بحقوق الطبع في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.. لأن أصحاب المحتوى يقولون إن الذكاء الإصطناعي يستفيد من أعمالهم ويهدد سوقها..
وهنا السؤال الكبير..
إذا لم يذهب المستخدم إلى الموقع.. فمن سيدفع للموقع؟!!
وهذه تحديدا معركة تمس الصحافة والإعلام وصناع المحتوى والناشرين والإعلانات ومحركات البحث.
إذن نحن لا نشهد مجرد ثورة تقنية.. بل نشهد معركة على مستقبل الإنترنت.. ( من يملك المعلومة؟ من يملك الجمهور؟ ومن سيحصل على المال عندما لا يعود المستخدم بحاجة إلى زيارة المصدر؟)
وبالتأكيد.. هناك مخاطر حقيقية للذكاء الاصطناعي يجب تنظيمها ومواجهتها.. ولا يجوز تجاهلها.
لكن من السذاجة أيضا أن نعتقد أن المصالح الاقتصادية غائبة عن المشهد..
فالذكاء الاصطناعي لا يهدد وظائف فقط… إنه يهدد نموذجا اقتصاديا كاملا نشأ فوق الإنترنت.
وربما لهذا السبب تحديدا.. فإن المعركة القادمة لن تكون بين الإنسان والآلة فقط.. بل بين من يريد أن يملك مستقبل المعرفة.. ومن يخشى أن يفقد السيطرة على الإنترنت الذي صنع ثروته.
وبإعتقادي فإن السنوات القادمة ستشهد معركة شرسة جدا حول من يملك المحتوى.. ومن يملك البيانات.. ومن يملك الوصول إلى الجمهور.. ومن يحصل على المال عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي ذلك المحتوى..
فالمعركة ليست فقط:
(هل الذكاء الاصطناعي خطر على الإنسان؟)
المعركة أيضا: (ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالاقتصاد الذي بُني فوق الإنترنت؟)