من بكين إلى مركز الدراسات الاستراتيجية: زيارة الملك تفتح الطريق لشراكة أردنية–صينية أكثر عمقاً
السفير د. موفق العجلوني
15-09-2026 12:17 PM
لم تكن الندوة التي عقدها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، بالتعاون مع سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى المملكة، لإطلاق التقريرين الاستراتيجيين حول «العلاقة الأردنية الصينية» و«العلاقة الصينية العربية»، مجرد مناسبة بحثية وأكاديمية عابرة، وإنما جاءت في توقيت بالغ الأهمية، لتشكل حلقة جديدة في النقاش الأردني حول مستقبل العلاقة مع الصين، ولتؤكد أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، إلى جمهورية الصين الشعبية، ينبغي ألا تبقى في إطار الحدث السياسي والدبلوماسي، بل أن تتحول إلى مسار متواصل من العمل والمتابعة والتنفيذ.
وقد جاءت كلمات سعادة السفير الصيني لدى المملكة قوه وي، ورئيس الوزراء الأسبق الدكتور عدنان بدران، ورئيس لجنة الإعلام والتوجيه الوطني في مجلس الأعيان معالي محمد داودية، ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية الاستاذ الدكتور حسن المومني، لتلتقي عند فكرة أساسية مفادها أن زيارة جلالة الملك إلى الصين كانت محطة مفصلية في مسيرة العلاقات بين عمّان وبكين، وأن مسؤولية المرحلة المقبلة تكمن في البناء على ما تحقق وترجمته إلى برامج ومشاريع ومصالح مشتركة.
ولعل أهمية إطلاق التقريرين تنبع أيضاً من توقيتهما؛ فالعلاقات العربية الصينية تدخل مرحلة جديدة، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية العربية الصينية، فيما يقترب الأردن والصين من الاحتفال بالذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2027. وهي مناسبات لا ينبغي أن تكون مجرد محطات للاحتفال، بل فرصاً لإطلاق مرحلة نوعية جديدة في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والإنسانية.
لقد تابعت شخصياً خلال السنوات الماضية تطور العلاقات الأردنية الصينية باهتمام خاص، بحكم تجربتي الدبلوماسية وعلاقاتي الممتدة مع سفراء جمهورية الصين الشعبية لدى الأردن، وبخاصة من خلال اللقاءات المتعددة التي جمعتني بسعادة السفير قوه وي منذ وصوله إلى المملكة.
وكان آخر هذه اللقاءات قبل زيارة جلالة الملك إلى الصين، حيث تناولنا بصورة معمقة مستقبل العلاقات الأردنية الصينية، والفرص المتاحة أمام البلدين في مجالات الاقتصاد والاستثمار والسياحة والثقافة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، إلى جانب التطورات السياسية الإقليمية والدولية.
وقد لمست خلال تلك اللقاءات اهتماماً صينياً واضحاً بالأردن، وحرصاً من سعادة السفير قوه وي على تطوير العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستويات أوسع، انطلاقاً من المكانة التي يتمتع بها الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، ودوره المحوري في المنطقة، وما يتمتع به من أمن واستقرار وموقع جغرافي مهم يؤهله ليكون منصة إقليمية للتعاون والاستثمار.
وكان من اللافت أيضاً أن الحديث مع سعادة السفير الصيني لم يكن محصوراً في العلاقات السياسية التقليدية، وإنما اتجه بصورة واضحة نحو سؤال عملي:
كيف يمكن أن تتحول العلاقة الأردنية الصينية إلى شراكة اقتصادية واستثمارية أكثر إنتاجاً؟
وهذا هو السؤال الذي أعتقد أنه يجب أن يظل حاضراً بقوة بعد الزيارة الملكية.
لقد كتبت قبل زيارة جلالة الملك إلى الصين أن الزيارة تأتي في مرحلة يعاد فيها تشكيل موازين القوى والعلاقات الدولية، وأن الأردن لا يذهب إلى بكين بحثاً عن علاقة جديدة، وإنما لتأكيد سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وتعظيم المصالح الوطنية. كما أكدت بعد الزيارة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع المزيد من الاتفاقيات، وإنما في تحويل ما تم الاتفاق عليه إلى مشاريع ومصالح عملية قابلة للقياس.
وهنا تكمن أهمية الندوة التي عقدها مركز الدراسات الاستراتيجية. فالدراسات الاستراتيجية لا تكتسب قيمتها من كونها توثق الماضي فقط، وإنما من قدرتها على تقديم قراءة للمستقبل، ووضع الأسس التي تساعد صانع القرار على تحويل المعرفة إلى سياسات.
والتقرير الأردني الصيني الذي استغرق إعداده عشرة أشهر، كما أوضح مدير المركز الاستاذ الدكتور حسن المومني، يمثل جهداً بحثياً مهماً في بناء مرجعية علمية للعلاقة بين البلدين، فيما يضيف التقرير الخاص بالعلاقة الصينية العربية بعداً أوسع لفهم موقع الأردن ضمن منظومة العلاقات العربية الصينية.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من الدراسات فقط، رغم أهميتها، وإنما الانتقال من مرحلة الدراسة إلى مرحلة الفعل.
لقد فتحت زيارة جلالة الملك حفظه الله أبواباً واسعة، ووفرت مظلة سياسية رفيعة المستوى لتطوير التعاون بين البلدين. وشهدت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات اقتصادية وتكنولوجية وتنموية وخدمية وقانونية وتجارية وغيرها.
لكن الاتفاقية تظل اتفاقية ما لم تتحول إلى مشروع، والمشروع لا يصبح إنجازاً اقتصادياً إلا إذا خلق قيمة مضافة، وفرص عمل، ونقل تكنولوجيا، وزاد الصادرات، وأسهم في تطوير القدرات الوطنية.
ومن هنا فإن الصين تمثل بالنسبة للأردن أكثر من مجرد سوق تجارية ضخمة.
إنها دولة تمتلك خبرة واسعة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل والبنية التحتية والتحول الرقمي وسلاسل التوريد. وفي المقابل، يمتلك الأردن موقعاً جغرافياً استراتيجياً، واستقراراً سياسياً وأمنياً، وكفاءات بشرية، وشبكة واسعة من العلاقات والاتفاقيات التجارية، بما يؤهله لأن يكون منصة إقليمية للصناعات والاستثمارات الصينية.
وهنا ينبغي أن يكون الهدف الأردني واضحاً: أن يكون الأردن شريكاً في الإنتاج، لا مجرد سوق للمنتجات الصينية.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحديد مجموعة من القطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها الطاقة المتجددة والخضراء، والزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية والدوائية، والنقل واللوجستيات، والبنية التحتية، والتكنولوجيا والتحول الرقمي، والسياحة، إلى جانب الصناعات ذات القيمة المضافة.
وقد كان موضوع الطاقة المتجددة والزراعة الحديثة حاضراً أيضاً في المداخلات التي شهدتها الندوة، وهي قطاعات يمكن للصين أن تقدم فيها خبرة وتكنولوجيا واستثماراً، بينما يستطيع الأردن أن يوفر بيئة وموقعاً وفرصاً واعدة.
ولا يقل أهمية عن ذلك ملف الصادرات الأردنية إلى السوق الصينية.
فنجاح العلاقة التجارية لا يقاس فقط بارتفاع حجم التبادل التجاري، وإنما بقدرة الأردن على زيادة حصته في السوق الصينية، وفتح أبواب جديدة أمام المنتجات الأردنية، وتشجيع الشركات الأردنية على التعامل مع السوق الصينية باعتبارها فرصة استراتيجية طويلة الأمد.
وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية.
وقد سبق لي أن طرحت في مقالاتي أن دور السفارتين الأردنية في بكين والصينية في عمّان ينبغي أن يتطور من الدور التمثيلي التقليدي إلى دور أكثر فاعلية في متابعة تنفيذ مخرجات الزيارة الملكية، وفتح الأبواب أمام الشركات والاستثمارات، وإزالة العقبات، وربط المؤسسات الاقتصادية في البلدين بصورة مباشرة.
وأعتقد أن سعادة السفير قوه وي، بما لمسته منه شخصياً ، و ما لمسة المنسق فارس العجلوني اثناء تشرفه بلقاء سعادة السفير قوه في دار السفارة حول تعزيز العلاقات السياحية بين الاردن و الصين ، من اهتمام بالعلاقات الأردنية الصينية، وبما أظهره من انفتاح على المؤسسات الفكرية والإعلامية والأكاديمية الأردنية، يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في هذا المسار.
كما أن السفارة الأردنية في بكين أمام فرصة تاريخية لتعزيز حضور الأردن الاقتصادي والاستثماري لدى المؤسسات والشركات الصينية، وتحويل الفرص الأردنية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
إن ما نحتاج إليه في المرحلة المقبلة هو آلية متابعة أردنية صينية واضحة، يكون لكل اتفاق فيها ملف، ولكل مشروع جهة مسؤولة، ولكل هدف جدول زمني ومؤشرات قياس.
وهذا لا يعني بالضرورة إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما تفعيل ما هو قائم وربط الجهود الحكومية والدبلوماسية والاقتصادية والقطاع الخاص ضمن منظومة واحدة.
كما أن القطاع الخاص الأردني مطالب اليوم بأن يكون أكثر مبادرة. فليس المطلوب أن تنتظر الشركات الأردنية المستثمر الصيني، بل أن تبحث هي أيضاً عن شراكات مع الشركات الصينية، وأن تتجه إلى السوق الصينية، وأن تستفيد من الخبرات والتكنولوجيا الصينية في تطوير الإنتاج ورفع التنافسية وفتح الأسواق.
وفي هذا السياق، أعتقد أن مركز الدراسات الاستراتيجية يمكن أن يلعب دوراً مهماً في المرحلة المقبلة، ليس فقط من خلال إعداد التقارير، وإنما عبر متابعة مؤشرات تطور العلاقة الأردنية الصينية، وإجراء دراسات دورية تقيس ما تحقق من مخرجات الزيارة الملكية، وما هي العقبات التي حالت دون تنفيذ بعض التفاهمات، وما هي القطاعات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام.
أما سياسياً، فإن العلاقات الأردنية الصينية تستند إلى أرضية قوية من التفاهم والاحترام المتبادل. وهناك مساحات واسعة من التوافق في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وضرورة الوصول إلى حل عادل وشامل يقوم على حل الدولتين، ورفض التهجير، ودعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
وهذا التوافق السياسي يمنح العلاقة الثنائية بعداً يتجاوز الاقتصاد والتجارة، ويجعلها جزءاً من حوار أوسع حول مستقبل النظام الدولي، والتعددية، واحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات بالطرق السياسية والدبلوماسية.
وإذا كانت زيارة جلالة الملك إلى الصين قد فتحت الباب السياسي، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تفتح الباب الاقتصادي والتنموي على مصراعيه.
لقد كان جلالة الملك، بحكمته ومكانته الدولية، هو الذي فتح هذه الأبواب، وأعاد التأكيد على أن الأردن ينظر إلى الصين كشريك استراتيجي مهم، وأن المملكة حريصة على بناء علاقات متوازنة ومتعددة الاتجاهات تخدم مصالحها الوطنية.
والآن يأتي دور المؤسسات الحكومية والاقتصادية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الدراسات والإعلام في البناء على هذه الزيارة.
و بالتالي فإن لقاء مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية ام الجامعات والسفارة الصينية، وإطلاق التقريرين حول العلاقة الأردنية الصينية والعربية الصينية، يؤكدان أن العلاقة بين الأردن والصين لم تعد موضوعاً دبلوماسياً محدوداً، وإنما أصبحت خياراً استراتيجياً يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة.
وإذا كانت زيارة جلالة الملك إلى الصين قد شكلت محطة مفصلية، فإن قيمتها الحقيقية ستظهر في نتائجها خلال السنوات المقبلة: في الاستثمارات التي ستأتي، والمشاريع التي ستقام، والصادرات التي ستزداد، والتكنولوجيا التي ستنتقل، والوظائف التي ستنشأ، والشراكات التي ستبنى.
ومع اقتراب الذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية الأردنية الصينية، فإن الفرصة متاحة أمام البلدين للانتقال من مرحلة الصداقة والشراكة السياسية إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية المنتجة.
لقد فتحت بكين أبوابها للأردن، ووضعت القيادتين الأردنية والصينية الإطار السياسي لهذه المرحلة؛ أما مسؤوليتنا في الاردن الآن فهي أن ندخل من هذه الأبواب بخطط واضحة، ومشاريع ناضجة، وقطاع خاص مبادر، ودبلوماسية اقتصادية نشطة، ومؤسسات قادرة على المتابعة.
وهنا تحديداً تتجلى القيمة الحقيقية لزيارة جلالة الملك: أن تتحول الدبلوماسية الملكية إلى تنمية، والتفاهمات إلى مشاريع، والشراكة إلى نتائج يلمسها كل من الشعب الاردني و الصيني الصديقين .
muwaffaq@ajlouni.me