facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الفساد .. الضريبة التي يدفعها الأردني ولا تدخل خزينة الدولة


د. مثقال القرالة
16-09-2026 10:42 AM

لسنوات ونحن نتحدث في الأردن عن البطالة والمديونية وضعف النمو والاستثمار وارتفاع كلف الإنتاج، ونبحث في الضرائب والموازنات وبرامج التحفيز عن حلول، بينما تبقى هناك ضريبة من أخطر الضرائب التي يمكن أن يدفعها الاقتصاد ألا وهي الفساد، وما يرتبط به من واسطة ومحسوبية وتضارب مصالح وإساءة استخدام للسلطة. فالفساد ليس مجرد مال يُهدر أو قضية تظهر في الأخبار ثم تختفي؛ إنه استثمار لم يأتِ، ومشروع لم يولد، ووظيفة لم تُخلق، وكفاءة غادرت، وثقة تراجعت. وهذه تحديداً هي الخسائر الأخطر، لأنها لا تظهر كاملة في الموازنة ولا تستطيع دفاتر المحاسبة قياسها. والأردن لا يملك رفاهية دفع هذه الفاتورة. فنحن دولة محدودة الموارد تحتاج إلى كل دينار استثماري وكل مشروع منتج وكل فرصة عمل. لذلك فإن الفساد لدينا ليس قضية أخلاقية وقانونية فقط، بل استنزاف مباشر للنمو. فالمال الذي يُهدر كان يمكن أن يذهب إلى مدرسة أو مستشفى أو بنية تحتية أو مشروع منتج، والوظيفة التي لا تذهب إلى الأكفأ لا تظلم شخصاً فقط، بل تضعف المؤسسة، والعقد الذي لا تحكمه المنافسة قد يعني تكلفة أعلى وجودة أقل. وباختصار، الفساد لا يسرق ما لدينا فقط؛ بل يسرق ما كان يمكن أن نصبح عليه.

أما المستثمر، فيستطيع أن يحسب الضرائب والأجور والطاقة والنقل، لكنه لا يستطيع أن يحسب بسهولة تكلفة الغموض أو التأخير أو عدم تكافؤ الفرص. لذلك فالفساد أشبه بضريبة خفية على الاستثمار؛ يدفعها الاقتصاد لكنها لا تدخل خزينة الدولة. وقد نقدم عشرات الإعفاءات والحوافز، لكن أقوى حافز يمكن أن نقدمه لأي مستثمر هو أن يعرف أن القانون أقوى من الأشخاص، وأن منافسه لا يستطيع بالنفوذ الحصول على ما لا يستطيع هو الحصول عليه بالكفاءة. والأخطر من خسارة المال هو خسارة الإنسان. عندما يشعر الشاب بأن الواسطة قد تتقدم على الكفاءة، فإننا لا نخسر فرصة عمل واحدة، بل نضرب ثقته بفكرة الاستحقاق نفسها. وإذا اقتنع بأن العلاقات أهم من العلم والاجتهاد، تصبح الهجرة أكثر جاذبية، وهنا ندفع تكلفة تعليم أبنائنا وتأهيلهم، ثم تستفيد اقتصادات أخرى من خبراتهم. فالفساد والمحسوبية لا يهدران المال العام فقط، بل قد يهدران رأس المال البشري، وهو أثمن ما يمتلكه الأردن.

ولا ينبغي أن تتحول مكافحة الفساد إلى شعارات أو إلى اتهام شامل لمؤسسات الدولة؛ فالأردن يمتلك مؤسسات رقابية وتشريعات وكفاءات وطنية نزيهة. المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة ملفات الفساد إلى إدارة مخاطر الفساد؛ أي إغلاق المنافذ قبل أن تتحول إلى قضايا. وهذا يتطلب برنامجاً وطنياً واضحاً ومعلناً وهو رقمنة المعاملات الحكومية التي تحتمل التدخل الشخصي، ونشر بيانات العطاءات والعقود ونتائجها بصورة قابلة للرقابة، وتقليص الاستثناءات إلى الحد الأدنى، وتشديد قواعد الإفصاح عن تضارب المصالح، وربط شغل المواقع القيادية بالكفاءة والإنجاز، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ، وتسريع الفصل في قضايا الاعتداء على المال العام. والأهم أن تكون هناك مؤشرات سنوية معلنة يستطيع المواطن من خلالها أن يعرف ماذا تغير فعلياً، لا ماذا قيل إنه سيتغير. الإصلاح الحقيقي لا يحتاج حملة موسمية ضد الفساد؛ بل يحتاج نظاماً دائماً يجعل الفساد أصعب، واكتشافه أسرع، وكلفته أعلى.

ولهذا يجب ألا نتعامل مع مكافحة الفساد باعتبارها ملفاً رقابياً فقط؛ إنها سياسة اقتصادية واستثمارية. فالنزاهة اليوم ميزة تنافسية للدول، والثقة أصل اقتصادي لا يقل أهمية عن رأس المال. المستثمر يحتاج إلى العدالة قبل الإعفاءات، والمواطن يحتاج إلى تكافؤ الفرص قبل الشعارات، والشاب يحتاج إلى أن يؤمن بأن كفاءته تستطيع أن تفتح له الباب دون أن يبحث عن واسطة. وربما السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس فقط: كم مالاً خسرنا بسبب الفساد؟ بل كم مستثمراً خسرنا؟ وكم مشروعاً لم يولد؟ وكم وظيفة لم تُخلق؟ وكم كفاءة غادرت؟ وكم فرصة ضاعت؟ هذه هي الفاتورة التي لا تظهر في الموازنة، لكنها تظهر في حياة الناس وفي قدرة الاقتصاد على النمو.

لقد دفع الأردن أثماناً كبيرة بسبب الجغرافيا والحروب والأزمات الإقليمية وتقلبات الاقتصاد العالمي، وهي أثمان لم يكن يستطيع دائماً تجنبها. أما الفساد فهو ثمن لا يجوز لنا أن نقبل دفعه بأيدينا. فالأردن أفقر من أن يتحمل الفساد، وأغلى من أن نترك مستقبله رهينة له.

وما نحتاجه اليوم ليس قانوناً جديداً بقدر ما نحتاج إلى تنفيذ لا يعرف الاستثناء، وشفافية لا تخشى المعلومة، ومساءلة لا تتوقف عند اسم أو منصب. وحين يصبح القانون أقوى من الواسطة، والكفاءة أقوى من النفوذ، والمؤسسة أقوى من الأشخاص، لن نكون قد حاربنا الفساد فقط؛ بل سنكون قد حررنا جزءاً مهماً من طاقة الاقتصاد الأردني. فالفساد لا يسرق خزينة الدولة فحسب، إنه يسرق من الأردن فرصته في المستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :