من واقع خبرة لم تكن سهلة .. وجدت أن الشياطين ثلاثة
د. جاسر عبد الرزاق النسور
19-09-2026 09:30 AM
من خلال تعاملي مع البشر، واحتكاكي بالناس في مواقع مختلفة، وجدت أن الشياطين ثلاثة:
شيطان يخاف من آية الكرسي، وشيطان يخاف من فقدان الكرسي، وشيطان لا يعيش إلا على التصفيق للجالسين على الكرسي.
الأول يخاف من الله، والثاني يخاف على موقعه، والثالث يخاف أن يفقد قربه من صاحب المسؤولية.
المشكلة ليست في الكرسي، فالكرسي في النهاية موقع ومسؤولية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المنصب إلى غاية، ويصبح الحفاظ عليه أهم من الواجب الذي جاء صاحبه من أجله هناك من يحترم المسؤول لأنه مسؤول، وهذا أمر طبيعي، وهناك من يحترم الإنسان قبل المنصب، وهذا هو الاحترام الحقيقي. لكن هناك من لا يرى في المسؤول سوى الكرسي الذي يجلس عليه؛ فإذا بقي في موقعه بقيت حوله، وإذا غادره اختفت تلك الوجوه وكأن العلاقة لم تكن.
احترام المسؤول أمر، والتملق للكرسي أمر آخر.
فالاحترام لا يعني أن نوافق على كل شيء، ولا أن نصفق لكل قرار، ولا أن نبحث عن الأعذار لكل خطأ. الاحترام الحقيقي أن تقول كلمة الحق بأدب، وأن تقدم النصيحة عندما تكون مطلوبة، وأن تقدر الجهد دون أن تتحول إلى بوق للمديح.
وفي هذا المقال، لا أقصد شخصا بعينه، ولا موقعا بعينه، وإنما أتحدث عن سلوك بشري رأيته ولمسته خلال سنوات من التعامل مع الناس؛ سلوك يجعل البعض يقيس قيمة الإنسان بموقعه، وقيمة العلاقة بمدى النفوذ، وقيمة الصداقة بمدى القرب من صاحب الكرسي فالمنصب لا يدوم والكرسي لا يبقى لأحد، والأيام وحدها كفيلة بأن تكشف حقيقة كل إنسان هناك من يغادر الكرسي ويبقى اسمه وهناك من يغادر الكرسي ولا يبقى حوله أحد وفي النهاية، الكرسي مؤقت، أما المواقف فتبقى.
فالناس لا تتذكر كم جلست على الكرسي... بقدر ما تتذكر ماذا فعلت وأنت جالس عليه. من التعامل مع البشر في الوظائف العامة والخاصة يخرج المرء بقناعة مرّة؛ أن النفاق صار سلّماً للصعود وأن الصدق وحده لا يكفي للبقاء. والحقيقة أن المؤسسات لا تقوم على الكفاءة وحدها، بل على شبكة علاقات وتفاهمات. من يتقن قراءتها دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية يبقى واقفاً، ومن يبيع مبادئه ثمناً لترقية عابرة يخسر نفسه قبل وظيفته. والأخطر أن بعضهم لا يتخذ النفاق وسيلةً للوصول فحسب، بل درعاً يحتمي به ليتمسك بالكرسي إلى الأبد، فلا يرى في موقعه أمانةً تُؤدّى، بل غنيمةً تُدافع عنها بكل السبل، ولو على حساب الحق والزملاء والمصلحة العامة. وهذه فئة من الشياطين لبست ثوب البشر، تتقن التملّق وتُخفي الأذى، فتبني حضورها على حساب غيرها.
والعجيب أن هذه الفئة نفسها ما إن يخرج المسؤول من وظيفته العامة حتى تنقلب ولاءاتها رأساً على عقب، فتبدأ بالانتقاد والتجريح، وتتنكّر لكل ما كانت تمدحه بالأمس، وكأنها لم تكن يوماً من حاشيته ولا من المدافعين عنه. فمن كان عندهم بالأمس "القائد الملهم" يصبح اليوم "المسؤول الفاشل"، ومن كانوا يتسابقون إلى تقبيل يديه يتسابقون الآن إلى طعنه في الظهر، لا لشيء إلا لأن الكرسي زال، والمصلحة انقطعت، والقناع سقط.
وهنا يتكشّف الفرق بين من يعمل ليبني، ومن يجلس ليحكم قبضته على كرسيٍ لن يبقى له في النهاية. فالنجاة ليست في النفاق، بل في الذكاء الأخلاقي؛ أن تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى تجامل دون أن تكذب، ومتى تواجه دون أن تجرح. فمن تمسّك بالكرسي إلى الأبد نسي أن الكرسي لا يُخلّد أحداً وأن الذكرى الطيبة وحدها هي التي تبقى بعد الرحيل.
سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه
حمى الله الاردن وقيادته وشعبه
* دكتور الإدارة الاستراتيجية وادارة الأزمات