اتفاقية الدفاع الأردنية – الفرنسية .. الأردن يعيد رسم شبكة الأمان الاستراتيجي
محمد نور الدباس
19-09-2026 03:47 PM
ليست كل الاتفاقيات الدفاعية مجرد وثائق عسكرية، وبعضها يأتي في لحظة سياسية تجعل من توقيعها رسالة تتجاوز بنودها وتفاصيلها، ومن هذا المنظور، تبدو اتفاقية التعاون الدفاعي التي وقعها الأردن وفرنسا في باريس بتاريخ 17 أيلول 2026 أكثر من مجرد إطار لتنظيم التعاون العسكري بين بلدين صديقين؛ فهي تعكس اتجاهاً أردنياً نحو بناء شبكة أوسع وأكثر تنوعاً من الشراكات الأمنية في إقليم تتغير فيه قواعد الأمن والاستقرار بسرعة.
البيان الأردني – الفرنسي المشترك وضع الاتفاقية في سياق واضح يشمل تعميق الشراكة الدفاعية، وتنظيم مختلف أوجه التعاون الدفاعي والأمني، وتطوير القدرات الدفاعية الأردنية، والتعامل مع التحديات والمخاطر المتغيرة والمتجددة، إلى جانب تعزيز مساهمة البلدين في أمن واستقرار الشرق الأوسط وشرق المتوسط.
وهنا تكمن أهمية التوقيت؛ فالأردن لا ينتظر الخطر حتى يصل إلى حدوده، بل يعيش في منطقة لم تعد فيها الحدود الجغرافية وحدها هي التي تحدد نطاق التهديدات، فالصراعات الإقليمية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والإرهاب، وأمن الحدود، وأمن الملاحة، وتداعيات الحروب المجاورة، كلها جعلت مفهوم الأمن الوطني أكثر اتساعاً وتعقيداً، وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن تمتلك الدولة جيشاً قوياً؛ بل تحتاج أيضاً إلى شبكة من الشراكات التي تمنحها القدرة على تبادل المعلومات والخبرات، وتطوير القدرات، والتعامل مع التهديدات المستجدة.
ومن هنا يمكن فهم الاتفاقية الأردنية – الفرنسية باعتبارها جزءاً من سياسة بناء القدرة على الاستباق، وليس مجرد سياسة رد الفعل، ففرنسا لا ترى الأردن مجرد حليف عسكري، واللافت في الخطاب الفرنسي أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يتحدث عن الأردن باعتباره دولة تقع على هامش التوازنات الإقليمية، بل أكد التزام فرنسا بدعم أمنه واستقراره، واعتبر استقرار الأردن عنصراً مهماً لأمن واستقرار الشرق الأوسط.
وهذه نقطة سياسية بالغة الأهمية؛ فالأردن بالنسبة لفرنسا ليس مجرد شريك في مكافحة الإرهاب أو التدريب العسكري، وإنما دولة تقع عند تقاطع عدد من الملفات الحساسة (فلسطين، سوريا، العراق، لبنان، أمن البحر الأحمر، شرق المتوسط، وحركة التجارة والطاقة)، ولذلك فإن حماية استقرار الأردن لا تُقرأ في باريس باعتبارها شأناً أردنياً داخلياً فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي.
وهذه الاتفاقية ليست معاهدة دفاع مشترك بالمعنى التقليدي؛ وفي الوقت ذاته، من المهم عدم تحميل الاتفاقية أكثر مما ورد فيها، فالبيان الرسمي يتحدث عن اتفاقية تعاون دفاعي توفر إطاراً شاملاً للتعاون الدفاعي والأمني، وتدعم تطوير القدرات الدفاعية الأردنية، ولا يتضمن النص المنشور إعلاناً عن معاهدة دفاع مشترك بالمعنى الذي يعني التزاماً تلقائياً بالتدخل العسكري في حال تعرض أحد الطرفين لهجوم، وهذا التفريق مهم، لأن قوة الاتفاقية لا تكمن بالضرورة في وجود تعهد تلقائي بالحرب، وإنما في مأسسة التعاون الدفاعي وتوسيعه وتعميقه.
وهنا نتحدث عن تنويع الشراكات.. لا استبدال الحلفاء؛ فربما تكون إحدى أهم الدلالات الاستراتيجية للاتفاقية أنها تنسجم مع مفهوم أوسع في السياسة الأردنية (تنويع الشراكات الدولية دون قطع أو إضعاف الشراكات القائمة)، فالأردن يمتلك علاقات دفاعية وأمنية تاريخية مع الولايات المتحدة ودول غربية وعربية مختلفة، وإضافة فرنسا إلى إطار دفاعي أكثر شمولاً لا تعني بالضرورة البحث عن بديل لحليف، وإنما توسيع دائرة الشركاء والخيارات، وفي عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح بسرعة، تصبح قدرة الدولة على تنويع علاقاتها الدفاعية والأمنية أحد عناصر المرونة الاستراتيجية.
من عمّان إلى باريس.. ومن الأردن إلى الإقليم؛ فهناك دلالة أخرى تستحق التوقف عندها مثل أن توقيع الاتفاقية جاء في اليوم نفسه الذي استضافت فيه باريس جولة جديدة من مبادرة اجتماعات العقبة المخصصة لدعم الجيش اللبناني، بمشاركة الأردن وفرنسا ولبنان، لبحث دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته وحصر السلاح بيد الدولة.
وهذا التزامن ليس تفصيلاً بروتوكولياً، فالأردن الذي يعمل على تعزيز قدراته الدفاعية داخلياً، يواصل في الوقت نفسه لعب دور في دعم بناء مؤسسات الدولة الأمنية في الإقليم، وهنا تظهر صورة أوسع للأردن تتمثل بدولة تعمل على حماية أمنها الوطني، وفي الوقت ذاته تسعى إلى المساهمة في بناء منظومة أمن إقليمية تقوم على تقوية مؤسسات الدولة وليس على انتشار الفوضى المسلحة.
الاتفاقية تحمل بعداً صناعياً وتكنولوجياً محتملاً؛ فالتعاون الدفاعي لا يتوقف بالضرورة عند التدريب والمناورات وتبادل الخبرات، ففرنسا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية متقدمة، وبالتالي يمكن أن يفتح تعميق التعاون الباب مستقبلاً أمام مجالات أوسع في التكنولوجيا الدفاعية وبناء القدرات ونقل الخبرات، لكن من الضروري هنا التمييز بين ما أعلن فعلاً وما يمكن أن يكون نتيجة مستقبلية محتملة؛ فالبيانات الرسمية المنشورة لم تعلن عن صفقة تسليح محددة مرتبطة بالاتفاقية، وهذا يعني أن القيمة الحقيقية للاتفاقية ستتحدد بدرجة كبيرة بما ستنتجه لاحقاً من برامج ومشروعات وآليات تنفيذ.
والرسالة الأهم أن أمن الأردن ليس شأناً أردنياً فقط؛ فربما تكون الرسالة السياسية الأبرز التي خرجت من باريس أن أمن الأردن واستقراره أصبحا جزءاً من معادلة أمن أوسع، ففرنسا نفسها تربط استقرار الأردن باستقرار الشرق الأوسط وشرق المتوسط، كما تربط استقرار المنطقة بمصالحها الاقتصادية وأمن طرق التجارة والطاقة، وفي الاجتماع الثلاثي الذي جمع الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم والرئيس ماكرون والرئيس اللبناني جوزاف عون، جرى التأكيد الفرنسي على أهمية تعزيز سيادة لبنان وأمنه باعتبار ذلك جزءاً من استقرار المنطقة، وهذا يعني أن المصالح الأردنية والفرنسية تلتقي في نقطة أساسية تتمثل في منع انتقال أزمات المنطقة من دولة إلى أخرى، والحيلولة دون تحول الفراغ الأمني إلى تهديد إقليمي واسع.
والأردن أمام مرحلة جديدة من الأمن الوطني؛ المرحلة الجديدة لا تفرض على الأردن أن يكون طرفاً في صراعات المنطقة، بل ربما تفرض العكس تماماً أي أن يمتلك من القوة والجاهزية والشراكات ما يمكنه من حماية نفسه من تداعيات تلك الصراعات.
وهذه معادلة دقيقة؛ فالقوة الدفاعية لا تعني البحث عن الحرب، كما أن بناء الشراكات لا يعني الدخول في محاور، وفي السياسة الدولية، تستطيع الدولة أن توسع شبكة علاقاتها من دون أن تتخلى عن استقلال قرارها، ومن هنا يمكن قراءة الاتفاقية الأردنية – الفرنسية باعتبارها استثماراً في القدرة والمرونة الاستراتيجية.
فالاتفاقية ليست صفقة سلاح.. بل إعادة ترتيب للأمن؛ فقد يكون من الخطأ النظر إلى الاتفاقية من زاوية ماذا سيشتري الأردن من فرنسا؟ والسؤال الأوسع هو كيف يريد الأردن أن يبني منظومته الأمنية والدفاعية في السنوات المقبلة؟ فإذا تحولت الاتفاقية إلى تعاون مستدام في التدريب والتكنولوجيا والتخطيط وتبادل الخبرات وبناء القدرات، فإن أثرها سيكون أعمق من أي صفقة منفردة، وإذا نجحت في ربط التعاون الدفاعي بالتنسيق السياسي، فإنها ستصبح جزءاً من شبكة علاقات استراتيجية تتجاوز المؤسسة العسكرية إلى السياسة الخارجية والأمن الإقليمي، وهنا تحديداً تكمن دلالتها.
خلاصة القول إن اتفاقية التعاون الدفاعي الأردنية – الفرنسية ليست إعلاناً عن تحالف عسكري جديد بقدر ما هي خطوة نحو مأسسة شراكة دفاعية أكثر عمقاً واتساعاً، وهي تأتي في لحظة إقليمية تجعل من أمن الأردن قضية تتجاوز حدوده، ومن استقراره مصلحة لعدد من القوى الدولية، والأردن، في هذه المعادلة، لا يبحث فقط عن مظلة أمنية؛ بل يعمل على بناء شبكة أمان متعددة الأطراف، تقوم على تنويع الشركاء، وتطوير القدرات الوطنية، وتعزيز التنسيق الإقليمي، والحفاظ في الوقت ذاته على استقلال القرار السياسي، ولعل الرسالة الأهم التي يمكن قراءتها من باريس هي أن الأردن يريد أن يكون صانعاً للأمن لا مجرد متلقٍ له، وشريكاً في الاستقرار لا ساحة لصراعات الآخرين، وهذا، في منطقة اعتادت أن تُفرض عليها خرائط الأمن من الخارج، قد يكون هو المعنى الاستراتيجي الأعمق لاتفاقية الدفاع الأردنية – الفرنسية.
محمد نور الدباس