ليلة بيضاء كشفت كل هذا الرمادي
أ.د. علي حياصات
20-09-2026 10:40 AM
هذا المقال ليس تحليلًا لحفل عمرو دياب في العقبة، فالحفل، بكل بساطة، ليس قضيتي، على الرغم من كل ما قيل عنه على وسائل التواصل الاجتماعي. فالناس، باعتقادي، لم تنقسم فجأة بسبب حفل، ولم تظهر الفجوة الاجتماعية في تلك الليلة، ولم يبدأ الشعور بعدم العدالة عند بوابته.
كل ما فعله الحفل أنه أضاء المشهد للحظات، وجعل ما نعيشه أكثر وضوحًا.
ولم يكن المقصود بما أضاءه ما جرى على المسرح، بل ما كشفه حوله. كان هناك من ارتدى الأبيض وغنّى والتقط الصور، وعاش ليلة اختارها ودفع ثمنها. وفي المقابل، كان هناك من تابع المشهد بإعجاب أو استنكار، وربما بشيء من الحسرة، حسرة لم تكن موجهة إلى عمرو دياب، ولا إلى من حضر الحفل، بقدر ما كانت موجهة إلى حياته هو.
بالطبع، لا أعرف ما دار في نفس كل من شاهد تلك الصور، ولا أدّعي ذلك. لكنني أعتقد أن كثيرين لم يكونوا ضد الفرح، بقدر ما شعروا، ولو للحظة، أن الفرح نفسه أصبح بعيدًا عنهم.
المشكلة، إذن، ليست في الحفل ولا في ثمن تذكرته، لكن في المسافة التي كبرت بين الناس، بين من يشعر أن الحياة ما تزال تفتح له أبوابها، ومن بات مشغولًا بتأمين أبسط احتياجاته. وعندما تظهر هذه المسافة وسط الأضواء والموسيقى، يصبح الحفل مرآة يرى فيها كل إنسان موقعه من المجتمع.
لهذا اختلف الناس حوله. بعضهم رآه حقًا طبيعيًا في الترفيه، وبعضهم اعتبره فرصة لتنشيط العقبة، فيما اعترض آخرون على بعض مظاهره انطلاقًا من قيمهم ونظرتهم إلى هوية المجتمع. وهناك من لم يعترض على الغناء أصلًا، وإنما على واقع يشعر فيه بأن الفرص والأعباء والمكاسب لا تُوزّع بعدالة.
لكن ما استوقفني هو ذلك الغضب الذي تجاوز الحفل إلى أسئلة أكبر: لماذا يستطيع بعض الناس أن يعيشوا كما يريدون، بينما يعجز آخرون عن الاقتراب من حياة عادية؟ وهل جاءت هذه الفوارق نتيجة طبيعية للاجتهاد واختلاف القدرات، أم أن للواسطة والامتيازات وغياب تكافؤ الفرص نصيبًا في صناعتها؟
فالناس لا تغضب من الغني لمجرد أنه غني، لكنها تغضب حين لا تثق بالطريق الذي صنع الغنى. واللامساواة موجودة في كل المجتمعات، ويمكن احتمالها عندما يؤمن الناس بأن الطريق مفتوح أمام الجميع، وأن القانون يسري عليهم من دون تمييز. أما حين يشعر الشاب بأن الأبواب مغلقة قبل أن يطرقها، فإن كل مشهد للرفاه قد يبدو له استفزازًا، حتى لو لم يُقصد به ذلك.
ومع ذلك، سيهدأ الجدل بعد أيام. ستقل المنشورات، ويختفي «الترند»، وينشغل الناس بحدث آخر. لا لأن المشكلة حُلّت، لكن لأن الغضب الذي لا تحمله مؤسسة يعيش سريعًا ويموت سريعًا.
وهنا، في ظني، تكمن المشكلة الأعمق. فالمجتمع الأردني لم ينجح حتى الآن في ترسيخ مؤسسات وسيطة قوية تعبّر عنه، وتحمل مطالبه، وتنقل غضبه من منشورات متفرقة إلى موقف منظم ومؤثر.
نحن نكتب ونعلّق ونتجادل، ثم ينتهي الأمر غالبًا عند حدود الشاشة. يبقى كل واحد منا غاضبًا وحده، من دون إطار يجمع صوته بأصوات الآخرين.
حتى مشروع التحديث السياسي، الذي عُلّقت عليه آمال في تأسيس حياة حزبية حقيقية، لم ينجح، على الأقل حتى الآن، في إنتاج أحزاب يشعر الأردنيون بأنها تعبّر عنهم فعلًا. وما تزال أحزاب كثيرة تبحث عن أعضائها بدل أن يبحث الناس عنها، وتتحدث بلغة لا تشبه لغة الشارع، وتتحرك حول المجتمع أكثر مما تتحرك داخله.
كان يفترض أن نبدأ الصعود. لكنني أخشى أننا، بدلًا من ذلك، ما زلنا نحفر في القعر.
والخطر ليس في أن يغضب الناس، بل في أن يفقدوا ثقتهم بجدوى التعبير والعمل العام. فعندما لا يجد الغضب طريقه إلى المؤسسات، قد يتحول إلى انسحاب ولا مبالاة، أو إلى سخرية من كل شيء، أو يبقى احتقانًا صامتًا ينتظر حدثًا جديدًا كي ينفجر من دون قيادة أو هدف واضح.
وعندها لن يكون السؤال كيف نهدّئ الناس، بل لماذا تركناهم أصلًا بلا أحزاب تمثلهم، ولا مؤسسات تحمل أصواتهم، ولا مسار مؤسسي يحوّل غضبهم إلى تغيير.
لم يكن عمرو دياب هو المشكلة، ولم يكن اللون الأبيض هو المشكلة. كان الحفل مجرد مرآة عابرة، كشفت تحت أضوائها كثيرًا من الرمادي الذي نحاول ألّا نراه في حياتنا.
انتهت الليلة وغادر الجمهور، وسيهدأ الجدل قريبًا. لكن الفجوة ستبقى. والغضب سيبقى. وستبقى أيضًا مؤسسات عاجزة عن حمله.
لذلك، ليس السؤال لماذا غضب الناس، ولا متى يهدأون.
السؤال الأخطر: إلى أين يذهب غضب مجتمع لا يجد من يمثله؟ وماذا يبقى للناس عندما يكتشفون أن صمتهم لا يغيّر شيئًا، وأن غضبهم لا يغيّر شيئًا أيضًا؟