facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ولي العهد .. حين يتحول المستقبل إلى أمانة


د. بركات النمر العبادي
21-09-2026 09:37 AM

ليس من السهل أن يُكتب عن ولي العهد بوصفه شخصاً فحسب ؛ لأن ولي العهد في الوجدان الأردني ليس موقعاً دستورياً ينتظر صاحبه المستقبل ، وإنما هو جزء من صورة الدولة وهي تعبر من جيل إلى جيل ، ومن مرحلة إلى أخرى ، حاملة معها ذاكرتها وقيمها وأمانتها التاريخية.

ومن هنا ، فإن قراءة تجربة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لا ينبغي أن تقف عند حدود المناسبات أو المبادرات أو اللقاءات الدولية ، بل تتجاوزها إلى السؤال الأعمق: أي صورة للمستقبل الأردني تتشكل من خلال هذا الحضور؟

في شخصية سمو ولي العهد تبدو هناك محاولة واضحة للجمع بين أمرين قد يبدوان متباعدين: رسوخ الدولة في جذورها ، وقدرتها على الحركة في عالم سريع التحول. فهو ابن مدرسة هاشمية ترى في الدولة مشروعاً مستمراً، وفي الإنسان جوهر التنمية ، وفي الشباب طاقة لا يجوز أن تبقى على هامش القرار وصناعة المستقبل.

ولذلك لم يكن الاهتمام بالشباب في تجربة سموه مجرد خطاب احتفالي عن "جيل المستقبل"، بل تحول إلى مسارات عملية في القيادة والتدريب والعمل التطوعي والابتكار والمبادرات المجتمعية. ومؤسسة ولي العهد ، التي تدخل عامها العاشر، تقدم نموذجاً لهذا الانتقال من فكرة تمكين الشباب إلى بناء أدوات تجعلهم أكثر قدرة على التعلم والقيادة وصناعة الأثر.

وهنا تكمن قيمة فلسفية مهمة في هذه التجربة: أن تمكين الشباب لا يعني فقط إعطاءهم الفرصة ، بل إعدادهم لتحمل المسؤولية ، فالمجتمع لا يبنى بمنطق الحقوق وحدها ، وإنما بتوازن الحقوق مع الواجب ، والحرية مع المسؤولية ، والطموح مع الانتماء.

وهذا المعنى ينسجم بصورة عميقة مع الفكر المحافظ الأردني الحديث ؛ فالمحافظة ليست خوفاً من المستقبل ، كما أنها ليست رفضاً للتغيير، وإنما هي القدرة على التغيير من داخل الهوية ، والتقدم دون التفريط بالجذور. ومن هذه الزاوية يصبح الاستثمار في الإنسان الأردني استثماراً في استقرار الدولة نفسها.

ولعل اللافت في مسار سمو ولي العهد أنه لا يحصر المستقبل الأردني في ملف واحد. فهناك الشباب، والتعليم، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والابتكار، والاستثمار، والعمل التطوعي، والحضور الدولي. وهذه الملفات، على اختلاف عناوينها، تبدو في جوهرها أجزاء من سؤال واحد: كيف يستطيع الأردن أن يحافظ على مكانته وهويته وقدرته على المنافسة في عالم يتغير بسرعة ؟

في دافوس ، لم يكن حضور سموه مجرد حضور بروتوكولي؛ فقد حمل معه صورة الأردن بوصفه بلداً يمتلك الكفاءات والفرص والبنية التحتية القادرة على استقطاب الاستثمار والتكنولوجيا، وركز على المهارات الرقمية وتدريب الشباب والتعاون مع الشركات العالمية.

وفي «سيليكون فالي» ظهر الوجه الآخر للفكرة نفسها : الأردن لا ينبغي أن يكون مستهلكاً للتكنولوجيا فقط، بل قادراً على إنتاج المعرفة وتصدير الكفاءة الأردنية إلى العالم. وقد بحث سموه مع رواد أعمال وقادة شركات تكنولوجية آفاق التعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والبرمجيات والمنصات التعليمية الرقمية، مستنداً إلى ما يمتلكه الأردن من كفاءات شابة.

أما في المجال الدولي ، فإن حضور سموه لا ينفصل عن ثوابت السياسة الأردنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ؛ فقد مثّل جلالته في اجتماعات دولية تناولت الأمن والاستقرار الإقليمي، والعلاقات الأردنية الأوروبية ، والقضية الفلسطينية ، وسيادة الدول، ومستقبل المنطقة.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات التجربة : التحديث لا يعني القطيعة مع الثوابت.

فالأردن الذي ينفتح على التكنولوجيا والأسواق العالمية ، هو ذاته الأردن الذي يتمسك بهويته الوطنية ، وبمواقفه تجاه القدس والقضية الفلسطينية ، وبسيادته ومصالحه الوطنية ، وبعلاقاته العربية والدولية المتوازنة.

وهذه ربما هي إحدى أكثر القيم التي تستحق التوقف عندها في تجربة سمو ولي العهد : الانفتاح بلا ذوبان ، والحداثة بلا اغتراب ، والطموح بلا انفصال عن الواقع الوطني.

إن الدولة لا تستمر فقط بقوة مؤسساتها، وإنما أيضاً بقدرتها على صناعة جيل يؤمن بها ويشعر أن مستقبله جزء من مستقبلها. ولذلك فإن بناء الثقة بين الشباب والدولة ليس ترفاً سياسياً، بل هو أحد أشكال الأمن الوطني والاجتماعي. فالمجتمع الذي يشارك شبابه في العمل والتطوع والمبادرات والشأن العام، هو مجتمع يبني رأس ماله الاجتماعي ويزيد قدرته على مواجهة الأزمات والتحولات.

ومن هنا يمكن فهم قيمة جائزة الحسين بن عبدالله الثاني للعمل التطوعي، ومبادرات مؤسسة ولي العهد، وبرامج القيادة الشبابية، ليس باعتبارها نشاطات منفصلة، وإنما بوصفها جزءاً من فلسفة أوسع: أن خدمة الوطن ليست وظيفة تؤدى من موقع رسمي فقط ، وإنما ثقافة اجتماعية تبدأ من الفرد.

وفي تقديري ، فإن أجمل ما يمكن أن يقال في تجربة سمو ولي العهد هو أنها لا تقدم لنا صورة شاب يستعد للمستقبل فقط ، وإنما صورة دولة تعد نفسها للمستقبل من خلاله ومن خلال الجيل الذي يمثله.

فالوراثة الحقيقية في الدول ليست وراثة موقع ، وإنما وراثة أمانة.

والأمانة الهاشمية في الأردن لم تكن يوماً مجرد انتقال للسلطة من جيل إلى جيل ، بل كانت انتقالاً لمسؤولية الدولة ، وحماية هويتها ، وصون أمنها ، والارتقاء بإنسانها، وإبقاء أبواب المستقبل مفتوحة أمام أبنائها.

ولهذا فإن الامتنان لسمو ولي العهد لا ينبغي أن يكون امتناناً لشخص بقدر ما هو تقدير لفكرة الأمل التي يمثلها حضوره في وجدان الأردنيين ؛ أمل أن يأتي المستقبل وهو يحمل معه الدولة لا أن يهدمها ، والتحديث لا أن يقتلع جذورها ، والانفتاح لا أن يلغي خصوصيتها.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات ، وتتنافس الدول على المعرفة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ورأس المال البشري ، فإن أكبر تحدٍ أمام الأردن ليس أن يواكب العالم فحسب ، وإنما أن يدخل المستقبل أردنياً.

وهنا تحديداً تبدو مسؤولية ولي العهد أكبر من مجرد الإعداد لدور قادم ؛ إنها مسؤولية المشاركة منذ الآن في صناعة المرحلة القادمة.

فالمستقبل ، في النهاية ، لا ينتظر من يصل إليه ؛ إنه يُبنى قبل الوصول إليه.

وربما تكون هذه هي الصورة الأكثر عمقاً لولي العهد في هذه المرحلة : أمير شاب يقف على تخوم المستقبل ، لكنه لا يدير ظهره للماضي ؛ يحمل الحداثة في يده ، والدولة في قلبه ، والأردن في وعيه ، والأمانة في طريقه .

حمى الله الاردن وقيادته الهاشمية من كل كريهة





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :