«سكة حديد الحجاز» .. مشروع موسيقي مسرحي يحمل رحلته من لندن إلى قلب الأردن
21-09-2026 01:12 PM
عمون - بعد عرضه الأول في لندن، يستعد «سكة حديد الحجاز»، المشروع الموسيقي المسرحي الذي ابتكرته وأطلقته عازفة البيانو والمديرة الموسيقية الأردنية تالا توتونجي، لجولة فنية مرتقبة تعيد إحياء ذاكرة سكة حديد الحجاز من خلال الموسيقى والمسرح والسرد والفنون البصرية والصورة.
وقبل انطلاق الجولة، يحتل الأردن أولوية خاصة في مسار المشروع، إذ تعبّر توتونجي عن حماسها لتقديم العمل في الموقع التاريخي لسكة حديد الحجاز في عمّان، لتعود الحكاية إلى أحد الأماكن التي تنتمي إليها، ويصبح الموقع نفسه جزءاً حياً من العرض.
استوحت توتونجي فكرة المشروع من مذكرات جدّها الدكتور جميل توتونجي، ومن افتتانها بسكة حديد الحجاز وما تمثله بالنسبة إليها من رمز لعالم بلا حدود؛ خط حمل الناس والحكايات والموسيقى والثقافات من مدينة إلى أخرى، وربط بين أماكن تبدو اليوم منفصلة بحدود الجغرافيا.
ومن هنا، يأخذ العمل الجمهور في رحلة تمتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة، ويحتل الأردن قلب هذه الرحلة، بما تحمله السكة ومحطاتها في المملكة من ذاكرة وقصص إنسانية لا تزال حاضرة حتى اليوم.
ولا يظهر الأردن في العمل كمحطة على مسار القطار فحسب، بل كجزء أساسي من الحكاية. فمن خلال الموسيقى الحية والمسرح والصورة، يستعيد «سكة حديد الحجاز» أجواء الأردن في بدايات القرن العشرين، والمحطات والقطارات والأشخاص الذين عبروا هذا الطريق، ويعيد تقديم السكة كجسر جمع بين المدن والثقافات والحكايات.
وتحضر قصة عائلة توتونجي كخيط إنساني داخل هذه الصورة الأوسع؛ فقد حمل القطار جدّها من محطة إلى أخرى، وصولاً إلى الأردن الذي فتح أمامه أبواباً جديدة لبناء حياته وتحقيق طموحاته. وكرّس الدكتور جميل توتونجي سنوات طويلة لخدمة الأردن وقطاعه الصحي، وتولى منصب وزير الصحة، لتبرز من خلال حكايته إحدى الأفكار الإنسانية التي يقوم عليها العمل: عالم الطبيب القائم على الرعاية والخدمة والاهتمام بالإنسان.
لكن الحكاية لا تتوقف عند قصة عائلة واحدة، ففي قلب «سكة حديد الحجاز» فكرة إنسانية أخرى: لكل منا قصة تستحق أن تُروى؛ قصة عائلة أو جد أو رحلة أو مكان ترك أثراً، وانتقلت ذكراه من جيل إلى آخر.
وكان متحف لايتون هاوس (Leighton House Museum) في لندن قد استضاف العرض الأول لـ«سكة حديد الحجاز» في 9 فبراير/شباط 2026، تحت إخراج المخرج البريطاني سام راينر. وجمع العرض بين البيانو والغناء والتمثيل والقانون والكمان والكمنجة والإيقاعات، بالتوازي مع أعمال فنية أصلية وصور تاريخية وأرشيفية لسكة حديد الحجاز عُرضت على الشاشة.
ولاقى العرض تفاعلاً واستحساناً لافتاً من الجمهور والحضور، لينتقل المشروع بعدها إلى مرحلة جديدة مع التحضير لجولة فنية مرتقبة.
ويستند «سكة حديد الحجاز» إلى مسار كتابي جمع بين الكاتبة والمسرحية الأردنية سمر دودين والفنان والكاتب والدراماتورج نديم نعمان، بالتعاون مع تالا توتونجي. فقد تولّت دودين كتابة النص الأولي للعمل ووضع أساسه الدرامي، فيما تولّى نعمان، بخبرته في الكتابة والمسرح، كتابة النص المسرحي للعمل وصياغة الحكاية درامياً للمسرح، بالتعاون الإبداعي مع توتونجي ورؤيتها للمشروع.
ولا يقتصر دور نعمان على الكتابة والدراماتورجيا، إذ يؤدي أيضاً أحد الأدوار الرئيسية في «سكة حديد الحجاز»، مجسداً شخصية الدكتور جميل توتونجي على خشبة المسرح.
وجاء العمل تحت إخراج المخرج البريطاني سام راينر، الذي تولّى الرؤية الإخراجية وصياغة عناصر العرض، جامعاً بين السرد والموسيقى والأداء والصورة في عمل مسرحي متكامل.
وشارك في عرض لندن إلى جانب توتونجي ونعمان كل من باسم الخوري، وفراز إشغي صحرائي، وأنطونيو روميرو، ضمن توليفة فنية جمعت بين الغناء والتمثيل وآلات موسيقية شرقية وغربية.
أما العالم البصري للعمل، فيحمل بدوره بصمة أردنية واضحة. فقد أبدعت الفنانة زينة السعيد مجموعة من الأعمال الفنية الأصلية خصيصاً لـ«سكة حديد الحجاز»، تظهر إلى جانب صور تاريخية وأرشيفية قديمة للقطار والسكة ومحطاتها، في لقاء بين الوثيقة التاريخية والرؤية الفنية المعاصرة.
وتولّى سامر الريموني مهمة المستشار الثقافي للمشروع، كما شكّل شعره أحد مصادر الإلهام الإبداعي للعمل، مضيفاً بعداً أدبياً إلى عالمه الموسيقي والمسرحي.
وعملت ماريان ساحوري كمستشارة بصرية للمشروع، على إبراز المادة التاريخية ودمج الصور الأرشيفية بالأعمال الفنية على الشاشة، فيما صمّم الفنان الأردني زيد فاروقي أزياء العمل مستلهماً عالم الرحلة وهويتها. وتولت Ali Matar Productions إدارة المشروع وإنتاجه.
وامتدت رؤية توتونجي إلى السينما، إذ تعمل مع المخرج والمنتج وديع صفي الدين على فيلم وثائقي إبداعي يستعيد رحلة القطار ومساره وذاكرته، ويعود بالصورة إلى الأماكن الحقيقية التي عبرتها السكة، في امتداد وثائقي إبداعي لعالم المشروع.
وهكذا يجمع «سكة حديد الحجاز» بين خيوط إنسانية وفنية تتقاطع في قلب العمل: عالم بلا حدود، والرعاية الإنسانية، وذاكرة الأردن، والإيمان بأن لكل إنسان قصة تستحق أن تُروى.
ومع الاستعداد للجولة الفنية المقبلة، ترى توتونجي أن الأردن يستحق مكانة خاصة في رحلة العمل قبل انتقاله إلى محطات أخرى، وأن تقديمه في الموقع التاريخي لسكة حديد الحجاز في عمّان سيعيد الحكاية إلى المكان الذي يحمل جزءاً من ذاكرتها الحقيقية.
وقالت توتونجي: «بالنسبة لي، سكة حديد الحجاز ليست مجرد قطار أو جزء من التاريخ. رأيت فيها منذ البداية رمزاً لعالم بلا حدود، وللناس الذين حملوا قصصهم وأحلامهم من مكان إلى آخر. والأردن في قلب هذه الرحلة. أريد أن نعيد الحكاية إلى المكان نفسه، وأن يعيش الجمهور معنا الموسيقى والصورة والذاكرة وكأنه يصعد معنا إلى القطار.».
كما تفتح هذه المحطة الباب أمام شراكات ثقافية وفنية أردنية للمساهمة في إعادة هذه الحكاية إلى موقعها التاريخي، وتقديم إرث سكة حديد الحجاز إلى جيل جديد من خلال الموسيقى والمسرح والفن.
وفي الأردن، تسعى توتونجي إلى أن يلتقي العمل بالمكان الذي يحمل جزءاً أصيلاً من ذاكرته، لتعود سكة حديد الحجاز إلى الجمهور من خلال الموسيقى والمسرح والصورة والحكاية.