الملك عبدالله في الأمم المتحدة .. حين تصبح الدبلوماسية شجاعة لا مجاملة
د. مثقال القرالة
23-09-2026 10:55 AM
ليست كل الخطابات التي تُلقى على منبر الأمم المتحدة قادرة على اختراق جدران الصمت الدولي، وليس كل من يقف أمام زعماء العالم يمتلك الجرأة على مواجهتهم بالحقائق التي يفضّلون تجاهلها.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدّم جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين مرافعة سياسية وإنسانية اتسمت بالصراحة ووضوح الموقف، وجمعت بين الدفاع عن فلسطين والقدس، وحماية الأمن الوطني الأردني، والتحذير من المخاطر التي تهدد المنطقة والعالم.
وتميز الخطاب بلغة حازمة في مواجهة السياسات الإسرائيلية، تجاوزت المجاملات الدبلوماسية إلى تسمية الانتهاكات وتحديد المسؤوليات وطرح أدوات عملية للمحاسبة، مؤكداً أن السلام لا تصنعه الشعارات، وأن العدالة لا تتحقق ببيانات القلق، وأن الدبلوماسية لا تعني الصمت أمام الانتهاكات.
واستند جلالته في رؤيته إلى أزمة أعمق يعيشها المجتمع الدولي، تتمثل في انتقال اهتمام العالم من مأساة إلى أخرى قبل معالجة أسبابها؛ فالحروب تتنافس على اهتمام الإعلام بينما يبقى الضحايا تحت الأنقاض والنازحون في المخيمات والأطفال في انتظار الغذاء والأمان.
ومن هنا أكد أن تجاهل النزاعات لا ينهيها، وأن تأجيل الحلول يزيد أثمانها الإنسانية والاقتصادية والأمنية، وأن مسؤولية المجتمع الدولي لا تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، بل تقاس بقدرته على حماية الإنسان وتنفيذ قراراته.
وفي فلسطين، كان موقف الملك حفظه الله واضحاً في مواجهة محاولات فرض واقع جديد على الأرض. فقد أشار إلى استمرار الهجمات وتدمير البنية التحتية في غزة، وإلى الأرقام التي أوردها بشأن الضحايا، واستهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، كما تناول في الضفة الغربية مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات واعتداءات المستوطنين وإجبار العائلات على مغادرة منازلها.
وحذّر من الفصل بين غزة والضفة، لأن تدمير الأولى والضم الفعلي في الثانية يقودان إلى نتيجة واحدة: تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
كما أشار إلى جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، منتقداً استمرار الحكومة الإسرائيلية في تغيير شروط السلام ومواصلة الهجمات.
وكان من أبرز رسائل الخطاب رفض استخدام المصطلحات لتبرير الانتهاكات، سواء عبر هدم المنازل تحت مسمى إنفاذ القانون، أو الاستيلاء على الأراضي تحت مسمى تسجيلها، أو تصوير الاعتداءات على الفلسطينيين باعتبارها تجاوزات فردية. كما تناول حماية الجنود الإسرائيليين للمستوطنين أو مشاركتهم في الاعتداءات، ومنع سيارات الإسعاف واستهداف الصحفيين، مؤكداً أن المسؤولية تقع على من ينفذ السياسات ومن يسمح باستمرارها.
ولم يكتفِ الملك بالإدانة، بل أشار إلى أدوات المحاسبة المتاحة للمجتمع الدولي، من العقوبات وتجميد الأصول إلى الحظر والعزل الدبلوماسي، مذكراً بمبادرة السلام العربية التي قدمت منذ أكثر من عقدين تصوراً للسلام وإقامة الدولة الفلسطينية وتطبيع العلاقات، ومؤكداً أن القضية الفلسطينية ليست صراعاً دينياً، بل قضية حقوق سياسية وإنسانية للفلسطينيين مسلمين ومسيحيين.
ومن فلسطين إلى سوريا، حذّر الملك اطال الله في عمره من التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري وفرض وقائع جديدة، بما في ذلك ما يمس الموارد المائية الحيوية، مؤكداً أن حماية الحدود الشمالية والأمن المائي والمصالح الأردنية جزء من الأمن القومي للمملكة، مع احترام سيادة الدول العربية.
كما تناول أزمات لبنان واليمن والسودان، وتداعيات الحرب مع إيران على التجارة والاستثمار وأسعار الطاقة والغذاء، رابطاً الاستقرار الإقليمي بالأمن الاقتصادي العالمي.
وفي المقابل، عرض رؤية الأردن لتعزيز الروابط التجارية والصناعية والتكنولوجية من الخليج إلى البحر المتوسط، وتطوير القدرات الدفاعية، ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، والاستمرار في الاستجابة للأزمات الإنسانية وبناء فرص التنمية والتعاون الإقليمي.
أما القدس، فحضرت باعتبارها مسؤولية تاريخية ودينية وإنسانية، إذ جدد جلالته التزام الأردن بالوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية، ودعم صمود الشعب الفلسطيني ووكالة الأونروا، وحماية المجتمعات المسيحية وتراثها، ومواجهة خطاب الكراهية وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام.
وبذلك ارتبط الدفاع عن المقدسات بحماية التعددية الدينية وحقوق الإنسان، ورفض تحويل مستقبل المنطقة إلى رهينة للصراعات الدينية.
وفي رسالته الأوسع، وضع جلالته حروب غزة والسودان وأوكرانيا وغيرها، إلى جانب تغير المناخ والهجرة الجماعية والتطور التكنولوجي، ضمن منظومة واحدة من التحديات التي تتطلب استجابة دولية حقيقية.
وأكد أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إطعام الجائعين أو إعادة المهجرين أو بناء السلام، وأن مواجهة هذه التحديات تحتاج إلى مؤسسات تتمتع بالشرعية، ودول تحترم تعهداتها، وقواعد دولية تُطبق بالفعل.
وقدّم الأردن بوصفه دولة تتمسك بمبادئها وتنفتح على الحوار والعمل مع الساعين إلى السلام، مع التأكيد أن تفضيل الدبلوماسية لا يعني التنازل عن القيم الإنسانية أو التفريط بالأمن الوطني.
لقد حمل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الأمم المتحدة رؤية مترابطة تبدأ من فلسطين والقدس، وتمر بحماية سيادة الدول العربية والأمن الوطني الأردني، وتمتد إلى الاقتصاد والتنمية ومستقبل المؤسسات الدولية.
وكانت رسالته واضحة: لا يمكن بناء سلام دائم دون عدالة، ولا يمكن استعادة الثقة بالقانون الدولي ما دامت قواعده تُطبق بانتقائية، ولا يمكن حماية مستقبل العالم إذا استمر تجاهل المآسي التي تصنع أزماته القادمة.
وفي ذلك تتجلى قيمة الدبلوماسية حين تستند إلى وضوح المبادئ وتحديد المصالح، وترفض أن تتحول المجاملة إلى صمت عن الحقوق.