قراءة في خطاب الملك: فلسطين والدفاع عن الأردن والمنطقة
محمد نور الدباس
23-09-2026 11:25 AM
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب دبلوماسي يضاف إلى سجل المواقف الأردنية تجاه القضية الفلسطينية، ولا مجرد تكرار للنداءات الدولية بوقف الحرب على غزة، فلقد جاء الخطاب في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحروب مع مشاريع إعادة تشكيل النفوذ، وتتراجع فيها هيبة القانون الدولي أمام منطق القوة، لتصبح فلسطين عنواناً لأزمة أعمق تتعلق بمستقبل المنطقة وحدود دولها وأمن شعوبها.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب جلالة الملك باعتباره محاولة لإعادة وضع القضية الفلسطينية في مركز النقاش الدولي، ليس بوصفها مأساة إنسانية فحسب، بل باعتبارها قضية سياسية وقانونية واستراتيجية ترتبط ارتباطاً مباشراً بأمن الأردن واستقرار الإقليم.
ومن إدارة الصراع إلى منع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة؛ فلسنوات طويلة، تعامل المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة قابلة للإدارة، لا قضية تستوجب حلاً عادلاً ونهائياً، وكانت الهدن المؤقتة تحل محل السلام، والمساعدات الإنسانية تحل محل العدالة، والبيانات الدبلوماسية تحل محل الإرادة السياسية القادرة على إنهاء الاحتلال ومعالجة جذور الصراع.
غير أن ما يجري اليوم يتجاوز حدود الحرب التقليدية؛ فالدمار في غزة، والتوسع الاستيطاني، والاعتداءات على الحقوق الفلسطينية، ومحاولات فرض وقائع جديدة في القدس والضفة الغربية، تطرح سؤالاً يتجاوز وقف إطلاق النار يتمثل بهل نحن أمام حرب محدودة، أم أمام مسار لإعادة رسم الواقع السياسي والجغرافي في المنطقة؟
وهنا تكمن أهمية خطاب الملك؛ فهو يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية لا تتعلق فقط بوقف المعاناة، بل بمنع تحويل القوة العسكرية إلى أداة لإعادة هندسة المنطقة، وفرض ترتيبات جديدة على حساب القانون الدولي وحقوق الشعوب، حيث إن السماح بتغيير الوقائع بالقوة لا يبقى محصوراً في الجغرافيا التي يبدأ فيها، فالسابقة السياسية والقانونية تنتقل، واللغة التي تبرر انتهاك حقوق شعب يمكن أن تُستخدم غداً لتبرير انتهاك حقوق شعوب أخرى.
وغزة ليست رقعة جغرافية قابلة للمحو؛ فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي صراع هو أن يتحول الإنسان إلى تفصيل ثانوي في حسابات الجغرافيا والسياسة، وغزة ليست مجرد مساحة مدمرة تحتاج إلى إعادة إعمار، ولا مجرد ملف إغاثي ينتظر المساعدات؛ إنها موطن لشعب له حقوق وطنية وتاريخية وقانونية لا تسقط تحت أنقاض الحرب، ومن هنا، فإن رفض التهجير ليس موقفاً إنسانياً عابراً، بل هو دفاع عن مبدأ جوهري في القانون الدولي: عدم جواز اقتلاع السكان من أرضهم أو فرض تغيير ديموغرافي عليهم بالقوة، كما أن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحل السياسي، فإعادة بناء المباني دون إعادة بناء الأفق الوطني الفلسطيني تعني ترميم المكان مع إبقاء أسباب الانفجار قائمة، وما لم تقترن إعادة الإعمار بحماية الحقوق، ووقف الاحتلال، وفتح الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية، فإنها قد تتحول إلى عملية تأجيل للأزمة لا إلى معالجة لها.
القدس والضفة الغربية هي بالنتيجة معركة على القانون قبل أن تكون معركة على الأرض؛ ففي الرؤية الأردنية، لا يمكن فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس، فالمساس بالوضع القانوني والتاريخي للقدس، والتوسع الاستيطاني، والاعتداء على الفلسطينيين، ليست أحداثاً منفصلة؛ بل حلقات في مسار يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، والقدس، بالنسبة إلى الأردن، ليست مجرد رمز ديني أو تاريخي، بل هي قضية قانون دولي، وهوية، وحقوق، واستقرار إقليمي، ودور تاريخي أردني في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية، بالإضافة إلى إن تغيير الوضع القائم في القدس لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يمس أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل سيظل القانون الدولي قاعدة ملزمة، أم يصبح مجرد خطاب يُستحضر حين يخدم مصالح الأقوياء؟
سوريا والأردن مع اقتراب تداعيات الحرب من الحدود؛ ليأتي ربط جلالة الملك بين القضية الفلسطينية والتطورات في سوريا ما يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التداخل الأمني والسياسي في الإقليم، فالحدود ليست خطوطاً مرسومة على الخرائط فقط؛ إنها منظومات أمنية واجتماعية واقتصادية تتأثر بما يجري على جانبيها، وأي وجود عسكري أو تغيير في موازين القوى بالقرب من الحدود الأردنية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المصالح الوطنية الأردنية. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي، يجد نفسه أمام تحديات متراكمة: تداعيات الحروب، والتهجير، وتهريب المخدرات والأسلحة، واضطراب الحدود، واحتمالات انتقال الصراع إلى ساحات جديدة، ولهذا، فإن التحذير الأردني من فرض الوقائع بالقوة يحمل بعداً وقائياً واضحاً، وهو رسالة بأن أمن الأردن ليس هامشاً في الحسابات الإقليمية، وأن استقرار المملكة وحدودها ومصالحها المائية والأمنية لا ينبغي أن يكون رهينة لمشاريع التوسع أو الصراع على النفوذ.
الدبلوماسية الأردنية التي تعبر عن قوة الموقف لا ضجيج المواجهة؛ فلقد أثبت الأردن، عبر مواقفه المتكررة، والدبلوماسية ليست بديلاً عن حماية المصالح الوطنية، بل إحدى أدوات حمايتها، فحين يتحدث جلالة الملك بصوته السامي في المنابر الدولية، فإنه لا يتحدث من موقع المتفرج على الأزمات، بل من موقع دولة تدرك أن أمنها الوطني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يجري حولها، والقوة في الخطاب السياسي لا تقاس بحدة العبارات وحدها، بل بوضوح الثوابت، واتساق المواقف، والقدرة على تحويل التحذير إلى حشد دولي، والتحرك الدبلوماسي إلى ضغط سياسي، والموقف الأخلاقي إلى التزام عملي، وفي هذا السياق، فإن الرسالة الأردنية يمكن اختصارها في ثوابت واضحة (لا للتهجير، لا للتوطين، لا لتغيير الحدود بالقوة، ولا لتحويل الأردن إلى طرف يدفع ثمن صراعات لم يصنعها).
وحل الدولتين هو ضرورة سياسية لا شعار تفاوضي؛ فإن الحديث عن حل الدولتين لا ينبغي أن يبقى مجرد عبارة تتكرر في البيانات الدولية، فكل يوم يستمر فيه الاستيطان، وكل واقعة جديدة تُفرض على الأرض، وكل انتهاك للحقوق الفلسطينية، يضيّق المجال أمام الحل السياسي ويزيد كلفة الوصول إليه، والبديل عن الحل العادل ليس الاستقرار، بل استمرار الصراع بأشكال أكثر خطورة، فغياب الأفق السياسي يفتح الباب أمام التطرف، ويقوض الثقة بالمؤسسات الدولية، ويجعل الأجيال الجديدة تنشأ في ظل واقع لا ترى فيه للعدالة مكاناً، ومن ثم، فإن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ضمن إطار حل الدولتين وعلى أساس القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة، ليس تنازلاً سياسياً ولا مطلباً ثانوياً، بل هو جزء أساسي من أي تصور جاد للأمن والسلام في المنطقة.
والأمم المتحدة أمام اختبار مصداقيتها؛ فجاء خطاب الملك ليضع الأمم المتحدة أمام سؤال يتجاوز القضية الفلسطينية، وهو؛ ما قيمة النظام الدولي إذا عجز عن حماية المدنيين، ومنع التهجير، وصون سيادة الدول، ومحاسبة من ينتهك القانون الدولي؟ فلقد تأسست الأمم المتحدة على فكرة أن القوة لا ينبغي أن تكون الحكم الوحيد في العلاقات الدولية، لكن استمرار الحروب، واتساع الفجوة بين المبادئ والتطبيق، يهددان بتحويل هذه الفكرة إلى مجرد ذاكرة مؤسسية، والمطلوب ليس المزيد من البيانات وحدها، بل استعادة فاعلية المؤسسات الدولية، وربط المسؤولية السياسية بالالتزام القانوني، وضمان ألا تكون حماية حقوق الإنسان انتقائية أو خاضعة لموازين القوة، فإذا كان القانون الدولي يطبق على الضعفاء ويُعطّل أمام الأقوياء، فإن الأزمة لا تعود أزمة فلسطين وحدها، بل تصبح أزمة ثقة في النظام الدولي بأكمله.
فلسطين والدفاع عن الأردن والمنطقة؛ إن القراءة الأعمق لخطاب جلالة الملك تقود إلى أن فلسطين لم تعد، في الحسابات الأردنية، قضية خارجية منفصلة عن الأمن الوطني، فاستمرار الاحتلال، والتهجير، وتغيير الواقع في القدس والضفة الغربية، والتوترات المتصاعدة في الإقليم، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في أمن الأردن واستقراره ومصالحه، ومن هنا، فإن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني هو، في الوقت ذاته، دفاع عن مبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، وعن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن استقرار الدول، وعن مستقبل المنطقة، فالأردن لا يبحث عن الحرب، لكنه لا يستطيع تجاهل تداعياتها، ولا يسعى إلى فرض أجندة على الآخرين، لكنه يرفض أن تُفرض عليه نتائج مشاريع إقليمية تهدد أمنه وحدوده وموارده.
وعليه فلا سلام من دون عدالة؛ فخطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها، تتمثل هذه الحقيقة بأنه لا يمكن بناء استقرار دائم فوق الظلم، ولا يمكن تحقيق السلام عبر تجاهل حقوق الفلسطينيين، ولا يمكن حماية المنطقة من الحروب إذا ظل الاحتلال والتهجير وفرض الأمر الواقع أدوات مقبولة في السياسة الدولية، ولقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، ومن الاكتفاء بإدانة الانتهاكات إلى ضمان عدم تكرارها، ومن التعامل مع فلسطين كملف تفاوضي مؤجل إلى الاعتراف بأنها قضية عدالة وحقوق وأمن إقليمي، وعندما نتحدث عن القضية الفلسطينية وعن الدفاع عن الأردن والمنطقة، فإن المعركة لا تعود على الأرض وحدها، بل تصبح معركة على معنى القانون الدولي، وعلى حق الشعوب في الحرية، وعلى مستقبل نظام دولي لا تزال البشرية بحاجة إليه، بالإضافة إلى إن حماية فلسطين ليست عبئاً على استقرار المنطقة؛ بل إن تجاهل حقوق الفلسطينيين هو أحد أكبر التهديدات لاستقرارها.