حين يصبح الأمن الاجتماعي خط الدفاع الأول عن الأردن
د. بركات النمر العبادي
23-09-2026 11:47 AM
في إقليم مضطرب تتسارع فيه الأزمات والحروب والتحولات السياسية والأمنية ، لا يكفي أن تحمي الدولة حدودها ؛ إذ إن قوة الدولة تبدأ من قدرتها على حماية تماسكها الداخلي. فالجبهة الداخلية ليست خطاً خلف الحدود ، وإنما هي المجتمع نفسه، بثقته بمؤسساته، وقدرته على مواجهة الأزمات دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام.
ومن هنا، فإن الأمن الاجتماعي ورأس المال الاجتماعي يجب أن يكونا جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن الوطني الأردني. فالمجتمع المتماسك أكثر قدرة على امتصاص تداعيات الأزمات الإقليمية، وأكثر مناعة أمام الشائعات والاستقطاب ومحاولات التأثير الخارجي.
وهنا تبرز قيمة الفكر المحافظ، الذي لا يرى الاستقرار نقيضاً للإصلاح، ولا ينظر إلى المجتمع باعتباره صفحة بيضاء يمكن إعادة تشكيلها مع كل مرحلة. فالدولة والمجتمع يملكان رصيداً من المؤسسات والقيم والعلاقات الاجتماعية التي تشكلت عبر عقود، والحكمة تقتضي تطويرها وإصلاح الخلل فيها دون هدمها.
وفي الحالة الأردنية، يمثل رأس المال الاجتماعي المتمثل في الأسرة والعلاقات المجتمعية والعشائر والمؤسسات التعليمية والدينية والمدنية والنقابات والأحزاب وغيرها ، رصيداً مهماً في مواجهة الأزمات ، هذه المؤسسات الوسيطة تستطيع أن تبني الثقة والتكافل وتخفف من حدة التوتر عندما تعمل في إطار القانون والمصلحة الوطنية.
لكن رأس المال الاجتماعي يحتاج إلى الثقة، والثقة لا تُطلب من المواطن وإنما تُبنى. تبنى عندما يشعر أن القانون يطبق على الجميع، وأن صوته مسموع ، وأن الدولة تستجيب لمشكلاته، وأن أبناءه يمتلكون فرصاً حقيقية في التعليم والعمل.
ولهذا فإن مسؤولية الحكومة لا ينبغي أن تختزل في الحضور الميداني والمشاريع والخدمات، رغم أهميتها، وإنما في القرب السياسي والاجتماعي والاقتصادي من المواطن؛ أي فهم مخاوفه، وشرح السياسات بوضوح، ومعالجة المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات ثقة.
وفي عصر وسائل التواصل، أصبحت إدارة الفضاء العام جزءاً من الأمن الاجتماعي. فغياب المعلومة يفتح المجال أمام الشائعة والتضليل، لكن مواجهة ذلك لا تعني إغلاق المجال العام. الدولة القوية هي التي تحمي حرية الرأي وتدير الاختلاف داخل القانون، فيما يتحمل الإعلام والقوى السياسية والمجتمع مسؤولية استخدام هذه الحرية بعيداً عن التحريض والتخوين.
كما أن الأمن الاجتماعي لا ينفصل عن الاقتصاد. فالبطالة، وتراجع الفرص، وارتفاع أعباء المعيشة، وغياب الأفق أمام الشباب، يمكن أن تتحول إلى مصادر قلق اجتماعي. لذلك فإن العمل والتعليم والحماية الاجتماعية وتمكين الشباب ليست قضايا خدمية فقط، وإنما مكونات من مكونات الأمن الوطني.
ولا يمكن قراءة هذه التحديات الداخلية بمعزل عن البيئة الإقليمية المحيطة بالأردن. فاستمرار الحروب والتوترات في المنطقة، وما يرافقها من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية، يفرض على الأردن مزيداً من اليقظة والتحصين الداخلي. كما أن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وما يرتبط بها من توسع استيطاني ومحاولات تغيير الوقائع على الأرض، تمثل تحدياً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليميين، وتثير مخاوف أردنية متصلة بمستقبل القضية الفلسطينية والضفة الغربية والقدس. ولذلك فإن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالانفعال، وإنما بتعزيز الدولة لسيادتها، والحفاظ على مصالحها الوطنية، وبناء مجتمع أكثر وعياً وتماسكاً وقدرة على الصمود أمام الضغوط الإقليمية.
وفي المجال السياسي، يحتاج الأردن إلى إنتاج جيل جديد من القيادات، وإلى أحزاب قادرة على إنتاج البرامج والكفاءات، وإلى إصلاح سياسي يتقدم بالتدرج ويحافظ على استقرار الدولة ومؤسساتها. فالفكر المحافظ لا يرفض الإصلاح، لكنه يرفض أن يتحول الإصلاح إلى قطيعة مع المجتمع أو إلى هدم لما تراكم من مؤسسات وخبرات.
الأردن اليوم بحاجة إلى معادلة متوازنة: دولة قوية دون انغلاق، وحريات مسؤولة دون فوضى، ومعارضة دون هدم ، وحكومة حاضرة دون استعراض، وإصلاح متدرج دون جمود، ومجتمع متماسك دون إقصاء.
وفي ظل ما يجري في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان، وما يرافق ذلك من ضغوط أمنية واقتصادية وإقليمية، تصبح المحافظة على الجبهة الداخلية أكثر أهمية. فالأردن لا يستطيع تغيير كل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع أن يعزز قدرته على الصمود من خلال مجتمع متماسك، ودولة موثوقة، ومؤسسات قادرة، وسياسة خارجية تحافظ على مصالحه وسيادته.
وفي النهاية، فإن الأمن الاجتماعي هو خط الدفاع الأول عن الأمن الوطني، ورأس المال الاجتماعي هو أحد أهم مصادر قوة الدولة. فكلما ازدادت الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتماسك المجتمع، ونضجت الحياة السياسية، أصبح الأردن أكثر قدرة على مواجهة تداعيات الإقليم وحماية سيادته وقراره الوطني.
وكلما كان الأردن أكثر تماسكاً في داخله، وأكثر ثقة بمؤسساته، وأكثر قدرة على إدارة اختلافاته، واحرص على سرديته التاريخية و الثقافية ، كلما كان أكثر قدرة على مواجهة تداعيات الإقليم، وحماية حدوده وقراره ومستقبله.
فالوطن في النهاية أوسع من الحكومة، وأبقى من المعارضة، وأعمق من الخلاف السياسي؛ واستقراره ليس مسؤولية طرف واحد، وإنما مسؤولية دولة ومجتمع يشتركان في حماية ما راكمته الأجيال وبناء ما سيتركه هذا الجيل لمن يأتي بعده.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - الامين العام المساعد للتثقيف الحزبي