عبد الله الثاني: شجاعة الموقف وبلاغة الدفاع عن فلسطين
محمد نجيب
23-09-2026 06:28 PM
تُقاس شجاعة القادة بقدرتهم على قول الحقيقة حين تصبح مكلفة، وباستعدادهم لتحويل وضوح الرؤية إلى موقف معلن أمام أصحاب النفوذ. بهذا المعيار، يستحق خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الثاني والعشرين من أيلول، تقديرًا فلسطينيًا صريحًا؛ فقد وقف ملك الأردن مدافعًا عن حقوق شعبنا بصلابة الحجة، ودقة التعبير، وإدراك عميق لما تعنيه تصفية القضية الفلسطينية لمستقبل المنطقة. كان حضور فلسطين في خطابه حضور قضية تستحق العدالة، وشعب يستحق الحرية، وأمن إقليمي لا يمكن بناؤه فوق اقتلاع الناس من أرضهم.
تكمن أهمية هذه الوقفة في أن صاحبها يعرف وزن كل كلمة يقولها، وما يمكن أن تتركه من أثر في علاقات بلاده وحسابات شركائها. فالشجاعة السياسية تزداد قيمة حين تقترن بالمسؤولية؛ إذ يستطيع المرء أن يرفع سقف الكلام من دون أن يتحمل نتائجه، أما رجل الدولة فيتحدث وهو يحمل مصالح شعبه وأمن وطنه، ومن هنا تبدو صراحة الملك عبد الله الثاني تعبيرًا عن ثقة بالموقف، وعن اقتناع بأن كلفة السكوت على الخطر قد تفوق كلفة مواجهته.
وقد وضع الملك إصبعه على جوهر المأساة حين ربط بين ما يجري في غزة وما تشهده الضفة الغربية، معتبرًا إياهما مسارين لاستراتيجية تستهدف الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية. وهذه قراءة تستحق التوقف؛ لأن تجزئة المشهد الفلسطيني إلى ملفات متباعدة تجعل التعامل مع نتائجه أسهل من مواجهة أسبابه؛ فعندما يُفصل مستقبل غزة عن الأرض التي تُنتزع في الضفة، تضيع وحدة القضية، ويتحول الحق الوطني إلى سلسلة أزمات إنسانية وإدارية يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
بالنسبة إلينا، نحن الفلسطينيين، تكتسب هذه الرؤية قيمة خاصة؛ فالدولة ليست وعدًا دبلوماسيًا معلّقًا في الهواء، وإنما أرض متصلة، ومجتمع قادر على البقاء، وسيادة يمكن ممارستها، وكل تصور للسلام يتجاهل هذه الشروط يترك الفلسطينيين أمام تناقض قاسٍ: اعتراف نظري بحقهم في المستقبل، مع التسليم بتقويض مقومات ذلك المستقبل. ولهذا، فإن الدفاع الجاد عن الدولة الفلسطينية يبدأ بحماية إمكان وجودها، قبل أن يصبح الحديث عنها تعويضًا لفظيًا عن خسارتها.
ولعل أعمق ما في الخطاب قدرته على ملامسة شغاف قلوب الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية؛ ففي كلماته ما يخاطب وجع الأم الثكلى، وخوف العائلة المهددة بالاقتلاع، وقلق المزارع على أرضه. ومن شأن هذا الوضوح أن يمنح من أنهكتهم المأساة شعورًا بأن صوتهم ما زال مسموعًا، وأن معاناتهم لم تصبح خبرًا عابرًا اعتاده العالم. كأن المعنى الذي يحمله إليهم هو: "أنتم لستم وحدكم"؛ فما زال هناك من يحمل همومكم إلى أعلى المنابر، ويتمسك بحقكم في حياة آمنة وكريمة فوق أرضكم. وتلك قيمة إنسانية وسياسية عميقة لشعب يحتاج، إلى جانب الحماية والإنصاف، إلى الاطمئنان بأن العالم لم يغلق أذنيه أمام أنينه.
وفي بلاغة الخطاب ما يستحق الإشادة أيضًا؛ فقد واجه الملك اللغة التي تخفف وقع الأفعال الإسرائيلية، ورفض تقديم الاستيلاء على الأرض وإجبار الناس على الرحيل في قوالب إدارية وأمنية مخففة. هنا تظهر فصاحة التعبير في وظيفتها الأهم: أن تكشف الحقيقة وتمنع طمسها، فاللغة في السياسة تصنع حدود المقبول؛ وإذا جرى تلطيف وصف الانتهاك، صار الاعتراض عليه قابلًا للتخفيف بدوره، ثم أصبح الضحية مطالبًا بإثبات ألم يُفترض أنه ظاهر أمام الجميع.
تلك بلاغة تنبع قوتها من وضوح المقصد، ومن بناء الحجة خطوةً بعد أخرى. وهي، في تقديري، أشد تأثيرًا من المبالغة الخطابية؛ لأنها تمنح المستمع فرصةً للفهم، ثم تضعه أمام مسؤولية الاختيار. ومن حق الفلسطيني الذي يسمع قضيته تُعرَض بهذه الدقة أن يشعر بأن تجربته لم تُختزل في كلمات التعاطف، وأن ما يراه في حياته اليومية وجد من يحمله إلى المنبر الدولي بلغة يستطيع العالم فهمها، ويصعب عليه التنصل من معناها.
وكانت دعوة جلالته إلى استخدام العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي انتقالًا مهمًّا من تشخيص الأزمة إلى مساءلة الإرادة الدولية. ولا يعني ذلك أن أداة واحدة قادرة وحدها على إنهاء الصراع، لكنه يفتح النقاش الذي ينبغي ألّا يبقى مؤجّلًا: ما الثمن السياسي لاستمرار الانتهاكات؟ وما جدوى المواقف الدولية إذا لم تدخل في حسابات من يقرّرون على الأرض؟ فالدبلوماسية تفقد قدرتها على التأثير عندما يستطيع الطرف المعني تجاهلها من دون تبعات.
وفي المقابل، يمكن فهم ما يحمله الخطاب من أسباب الإحراج والاستياء للحكومة الإسرائيلية؛ فهو يضع روايتها أمام نقد واضح يصدر عن قائد يتمسك بالسلام ويخاطب العالم بمنطق المسؤولية. ومصدر الإحراج هنا أن الملك نقل النقاش من التبريرات الأمنية إلى حقوق الفلسطينيين، ومن الاكتفاء بالتعاطف إلى المطالبة بأدوات ضغط ملموسة. ومن شأن هذا الطرح أن يضيّق مساحة المناورة أمام حكومة تريد الاحتفاظ بعلاقاتها الدولية من دون تحمّل تبعات سياساتها. وتلك قوة الموقف الأردني: أن يجعل الدفاع عن فلسطين حجة يصعب تجاوزها، وأن يضع شركاء إسرائيل أمام مسؤولية الإجابة عنها.
ومن هنا يمكن فهم جرأة الخطاب في مخاطبة العواصم صاحبة النفوذ، وفي مقدمتها واشنطن والعواصم الأوروبية؛ فالمعيار الذي ينبغي محاسبتها عليه هو مقدار ما تستخدمه من نفوذ لحماية الحقوق، ومدى استعدادها لربط علاقاتها بسلوك الحكومة الإسرائيلية. وأرى أن الإشادة بوضوح الملك تصبح أكثر إقناعًا حين ترتكز على هذا المعيار العملي؛ إذ إن توجيه الانتقاد خطوة، وجعل السياسات تنسجم معه هو الاختبار الأصعب والأكثر أهمية لمن ينتظرون الحماية.
وقد تجلّت حنكة عبد الله الثاني في الجمع بين هذا الحزم والإبقاء على أفق السلام؛ فالدفاع عن فلسطين يحتاج إلى خطاب قادر على الوصول إلى المختلفين، وعلى إقناع المترددين، وعلى حرمان المتطرفين من فرصة تصوير المطالبة بالحقوق باعتبارها رفضًا للتعايش. والقائد الذي يتمسّك بالسلام ويصرّ على شروط عدالته يمنح موقفه قوة إضافية؛ لأنه يخاطب العالم من موقع المسؤولية عن المستقبل، ويطالب بأن يكون هذا المستقبل صالحًا لحياة الجميع.
وعلى هذا الأساس، فإن صمود الفلسطيني فوق أرضه مصلحة عربية استراتيجية، إلى جانب كونه حقًّا وطنيًّا وإنسانيًّا أصيلًا. فالتهجير يعني اقتلاع مجتمع من جذوره، ويعني أيضًا نقل آثار الصراع إلى مجتمعات أخرى، وتوسيع دوائر الاضطراب، وإطالة عمر النزاع. ومن الخطأ تصوّر أن إضعاف الفلسطينيين يمكن أن ينتج استقرارًا لجيرانهم؛ لأن السلام الذي يُفرَض على شعب محروم من حقوقه يظل هشًّا، مهما أحاطت به الترتيبات والضمانات.
وللقدس مكانها الخاص في هذا الترابط، وقد جدد الملك التمسك بالوصاية الهاشمية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، إلى جانب دعم صمود الفلسطينيين والأونروا. وتحمل هذه الالتزامات، في قراءتي، معنى يتصل بحماية المجتمع وقدرته على الاستمرار. فالمدينة تعيش بأهلها، وبعبادتهم وتعليمهم وعملهم وذاكرتهم، وكل جهد يحمي هذه الحياة يكتسب قيمة تتجاوز الرمزية، ويمنح الدفاع السياسي عن القدس صلته الضرورية بالإنسان الذي يعيش فيها.
ومع ذلك، فإن أفضل تقدير لهذا الخطاب هو البناء عليه؛ فالموقف الشجاع يحتاج إلى متابعة عربية منسقة، تستثمر وضوحه في تحديد مطالب قابلة للقياس: حماية المدنيين، ووقف التهجير، وصون الأرض الفلسطينية، ومساءلة المسؤولين عن الاعتداءات، وحماية فرص التسوية العادلة. كما تحتاج الدبلوماسية الفلسطينية إلى تحويل هذا الإسناد إلى عمل متواصل مع الدول والمؤسسات، بحيث يصبح أثر الكلمة ممتدًّا بعد انتهاء الجلسة وانصراف الحاضرين.
وللفلسطينيين مسؤوليتهم كذلك؛ فكل دعم عربي صادق يستحق مقابلاً فلسطينيًا من الجدية ووحدة الهدف، ومن القدرة على تقديم أولويات وطنية واضحة. ولا يجوز أن نطالب الآخرين برفع كلفة الدفاع عن قضيتنا، بينما نسمح لخلافاتنا بإضعافها. إن استقبال الموقف الأردني بالتقدير ينبغي أن يقترن بتعزيز الشراكة، واحترام خصوصية كل طرف، والعمل على المصالح التي تجمع الشعبين وتمنحهما أسبابًا إضافية للثبات.
لقد قدّم الملك عبد الله الثاني في الأمم المتحدة نموذجًا لشجاعة تعرف غايتها، وحنكة تحسن اختيار حجتها، وبلاغة تمنح الحق وضوحه. ومن فلسطين، يستحق هذا الموقف كلمة تقدير صادقة، يستمدها من جوهر ما دافع عنه: حق شعبنا في أرضه وحريته ومستقبله. وتبقى القيمة الأعمق لهذه الوقفة أنها ترفع سقف المسؤولية أمام الجميع؛ فحين تُقال الحقيقة بهذا الوضوح، يضيق مجال التذرع بالغموض. وفلسطين تحتاج اليوم إلى قادة يقولون الحقيقة، وإلى إرادة دولية تجعل لها أثرًا على الأرض.