الأردن يتّسع لنا جميعًا فلماذا نُصرّ على أن نضيّقه؟
نشمية
23-09-2026 06:18 PM
الأردن يتّسع لنا جميعًا، فلماذا نُصرّ على أن نضيّقه؟
هناك لحظات قد تبدو صغيرة في كل مجتمع لكنها تكشف عن أسئلة كبيرة بحاجة لأجوبة. حفل عمرو دياب في العقبة كان واحدة من هذه اللحظات: خلاف بدا في ظاهره عابرًا، لكنه في جوهره كشف عن سؤال لطالما تجنبنا مواجهته بصراحة: كيف نتعامل، كمجتمع، مع من يختلف عنا؟ وهذا السؤال ليس جديدًا على الأردن، لكنه يعود كل مرة بثوب مختلف، ليضعنا أمام الاختبار ذاته: هل نحن مجتمع واثق بذاته إلى درجة احتضان تنوعه، أم مجتمع ما زال يبحث عن طمأنينته في تشابه أبنائه؟
لا أحد يجادل في حق الإنسان أن يرفض ما لا يناسبه. من حق أي شخص ألا يحضر ذلك الحفل، وألا يحب أجواءه، وأن يرى في بعض مظاهره ما يتعارض مع قناعاته. من حقه أيضًا أن يختار الحجاب، أو النقاب، أو أي نمط حياة يترجم به إيمانه إلى سلوك. هذه حقوق أصيلة، لا يملك أحد أن ينازع فيها. لكن الحق الشخصي شيء، وتحويله إلى سلطة على حياة الآخرين شيء مختلف تمامًا. فالحاضرون في تلك الليلة لم يقتحموا بيت أحد، ولم يفرضوا على أحد أن يستمع أو يشارك أو يرتدي ما ارتدوه. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصدق: من أين اكتسبنا الحق في أن نفرض عليهم ما لم يفرضوه علينا؟
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاوزها: كثيرون ممن هاجموا الحفل عرفوا بوجوده أصلا عبر منصات التواصل الإجتماعي التي يتصفحونها يوميًا، والتي تحمل من المحتوى ما يفوق ذلك الحفل بمراحل، دون أن يستوقفهم، ودون أن تستنفر فيهم الغيرة ذاتها التي استيقظت فجأة هذه المرة. هل هؤلاء يمنعون انفسهم من رؤية ما على هذه المنصات؟ هذا التناقض يستحق أن نتوقف عنده بصدق، لا لأننا نريد الحكم على أحد، بل لأننا نريد أن نفهم أنفسنا: هل غضبنا انعكاس لمبدأ ثابت، أم أنه ببساطة يظهر حين يلمس شيئًا لا يعجبنا نحن كافراد تحديدًا؟ فإن كان المعيار واحدًا، فليكن واحدًا في كل موضع. وإن لم يكن كذلك، فلنعترف أن ما نمارسه أقرب إلى الانتقائية منه إلى الدفاع عن قيمة.
ولأن الدين هو الورقة الأخيرة التي نلجأ إليها كلما أردنا حسم نقاش لا نملك حجة أقوى لحسمه، يستحق الأمر أن نسأل بصراحة: إذا كنا حقًا صادقين في هذه الغيرة، فلماذا تستيقظ فقط أمام اختيارات الآخرين، ولا تستيقظ أمام ما نصنعه نحن بأيدينا؟ فلتبدأ هذه الغيرة، إن كانت صادقة، من أقرب الأماكن إلينا لا من أبعدها: من مصلٍّ يغلق الطرقات بسيارته يوم الجمعة، فيقطع طريقًا على مريض في سيارة إسعاف أو يحاصر مخرج جاره دون اكتراث. من نظافة أماكن الوضوء التي يُجب أن تكون الأكثر طهارة بيننا، فلا تتحول أرضيتها الزلقة إلى سبب يكسر فيه إنسان عنقه وهو ذاهب ليتطهر. فإن كانت هذه التفاصيل الصغيرة، التي تمس كرامة الناس وسلامتهم كل يوم، لا تستفزّ فينا الغيرة ذاتها التي تستفزها ملابس شخص لا نعرفه، فربما الوقت قد حان لنعترف أن ما نحميه ليس الدين، بل موقفنا نحن، وأننا فقط اخترنا الدين لتسهيل الحجة.
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الجدل، حين يُصاغ بلغة دينية، يتحول تلقائيًا إلى خط أحمر لا يُناقَش. فبمجرد أن يُستحضر الدين كغطاء لموقف، يتراجع الجميع عن السؤال، خشية أن يُفهم النقاش على أنه مسّ بالمقدس. وفي عمق هذا الصمت يكمن خوف قديم لم نتخلص منه بعد: خوف أن يُوصَم أحدنا بما هو ليس اهل له، أو يُرمى بتهمة الخروج عن الدين و القيم و و و …..
هذا الخوف بالذات هو ما يمنح أصحاب الأصوات الأعلى مساحة تتّسع يومًا بعد يوم، فيتقدمون خطوة بعد خطوة، ليس لأن حجتهم أقوى، بل لأن أحدًا لم يجرؤ على مساءلتهم. وكلما صمتنا، ازدادوا يقينًا أن قيمهم يجب أن تعلو فوق قيم غيرهم.
لا يعقل لمجلس نواب أن ينشغل بقضية ارتداء الرجال الشورت و النقاش حول الطول المناسب لمثل هذا اللباس! ولا يعقل لمجتمع يواجه كل الصعوبات التي نواجهها أن يترك المشاكل التي تستحق فعلا مثل هذا الجهد والتفكير لينشغل بقشور الأمور.
وهنا يستحق السؤال أن يُطرح بلا مواربة: إلى أين ينتهي بنا هذا المنطق؟ إن كان يكفي أن يرفع أحدهم راية الدين ليقرر لغيره كيف يلبس، وماذا يستمع، وأين يذهب، فما الذي يمنعه غدًا من أن يقرر له كيف يفكر، ومن يصادق، وماذا يقرأ؟ وإذا استمر كل جيل بتوسيع دائرة ما يُحرَّم على الآخرين باسم الغيرة، فأي مساحة ستبقى لأبنائنا ليعيشوا فيها اختيارهم الحر، وأي أردن سنكون قد ورّثناهم؟
لكن هذا بالضبط ما يستحق أن نتأمله بجرأة: «لا إكراه في الدين» ليست دعوة للتخلي عن القيم، بل تذكير بأن الإيمان الحقيقي لا يُفرض بالإجبار، وأن الإنسان مسؤول عن اختياره أمام خالقه، لا أمام من نصّب نفسه وصيًا عليه. ومن يستخدم الشعار الديني ليجعل الناس نسخة عنه، لا يخدم الدين بقدر ما يستغله، والفرق بين حماية القيمة واستثمارها في فرض السيطرة هو بالضبط ما نحتاج أن نراه بوضوح، وأن نتوقف عن الخوف من قوله.
فالأردن لم يكن يومًا صوتًا واحدًا يقرر للجميع كيف يعيشون. هو مدنه ومناطقه وخلفياته المتعددة، و اديان ودرجات تديّن أبنائه المتفاوتة، تتعايش منذ عقود دون أن تحتاج إلى إذن من أحد لتكون كما هي. لا أحد نُصّب وصيًا حصريًا على هذا التنوع، ولا أحد يملك تفسيرًا واحدًا للفضيلة يُفرض على الجميع باسم الوطن.
من المحزن ان حتى مشروع رقمي واعد-شخصية لا وجود لها في الواقع- كالناطق الرقمي«فرح»، يحمل طموح جيل شاب وابتكاره، لم يسلم من هذا المنطق ذاته. فبدل أن يُناقَش كإنجاز تقني يستحق أن يُحتفى به و يبنى عليه، اختُزل النقاش حوله بالكامل في سؤال واحد سطحي: عن غطاء رأسها. وهذا وحده كافٍ ليُري أين تنتهي بنا هذه العقلية إن تركناها تتمدد دون مساءلة: مشروع مبتكر تحول إلى ساحة اتهام لا علاقة لها بجوهره.
فهل سنرى مستقبلا مطالبات مماثلة تتعلق بشخصيات كرتونية؟
في بلد يواجه تحديات اقتصادية حقيقية، وتحتاج فيه العقبة إلى حركة، والسياحة إلى زوار، والشباب إلى فرص عمل فعلية، يبقى من المؤسف أن نُنفق طاقتنا الجماعية في مراقبة ملابس بعضنا بعضًا، بدل أن نوجّهها نحو ما يفيد حياة الناس و المجتمع فعلا.
لا أحد مُطالب بأن يحب كل شيء يراه. لكننا جميعًا مُطالبون، إن أردنا أن نكون أهلًا لهذا الوطن، أن نعرف حدودنا: أن نختار لأنفسنا دون أن نصادر خيارات غيرنا، وأن نحمي قيمنا بالقدوة والممارسة الحقيقية، لا بتحويلها إلى أداة إقصاء نُشهرها كلما اختلف معنا أحد. ولعل أول خطوة نحو ذلك أن يتوقف كل منّا عن الخوف من أن يُوصَم، وأن يجرؤ على أن يقول بصوت واضح: توقفوا عن استخدام الدين ذريعة لإسكات الغير، فالفضيلة لا تُبنى بالتخويف، والوطن لا يُصان بالإقصاء.
دعوا الناس يفرحون، ان رغبوا، فهم بشر، حتى لو لم يكن فرحهم يشبه فرحكم. فالأردن لا يزداد قوة حين يفرض طيف واحد على أبناؤه، بل حين يتّسع اختلافهم دون أن يتحول إلى خصومة. هذا الوطن اتّسع لنا جميعًا منذ أول يوم، فحان الوقت لنتّسع نحن لبعضنا كما اتّسع هو لنا، قبل أن نكتشف، بعد فوات الأوان، أننا ضيّقنا على أنفسنا وطنًا كان يُفترض أن يجمعنا لا أن يُفرّقنا.