من أين تأتي بالفصاحة كلها والعالم يتوه على فمه التعبير؟
د. حسين سالم السرحان
25-09-2026 10:17 AM
كان الشاعر العربي السوري الكبير نزار قباني يرى في الفصاحة قدرةً على قول ما يعجز الآخرون عن قوله، وفي أحد أبياته التي كتبها لسعاد الصباح يقول: «من أين تأتي بالفصاحة كلها وأنا يتوه على فمي التعبير؟». ويبدو هذا البيت، الذي استبدلت فيه كلمة «وأنا» بكلمة «العالم» ليستقيم المعنى المقصود في دلالة القصيدة، وكأنه يستعيد حضوره اليوم عند قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة.
فالفصاحة اللغوية هنا لا تُقاس بكثرة الكلام، وإنما بالقدرة على قول ما يعجز الآخرون عن قوله، واستعادة المعنى حين تحاول السياسة أن تغيّره باللغة الدبلوماسية ذات الأوجه المختلفة.
ومن هنا تبدو السيميائية اللغوية مدخلًا لافتًا إلى قراءة الخطاب؛ فاللغة ليست وعاءً محايدًا للأفكار، وإنما هي علامات تحمل المعنى، وتعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المتلقي الواقع.
في خطاب الملك، لم تكن الكلمات مجرد أدوات للتعبير عن موقف سياسي، بل تحولت إلى أدوات لكشف المعنى الكامن خلف الألفاظ التي جرى تلطيفها أو إعادة صياغتها.
فالخطاب يتوقف عند الفارق بين «هدم المنازل» و«إنفاذ القانون»، وبين «الاستيلاء على الأراضي» و«تسجيل الأراضي»، وبين «الحواجز» و«البنية الأمنية».
هنا تظهر قوة السيميائية اللغوية: فتغيير العلامة يغيّر الدلالة، وتغيير الدلالة قد يغيّر إدراك الفعل نفسه. ولذلك تأتي العبارة الملكية الأردنية الحاسمة: «حين لا تعكس الكلمات فداحة الأفعال، يصبح غير المقبول مألوفًا».
إنها ليست مسألة مفردات فحسب؛ إنها معركة على المعنى. فاللغة السياسية قادرة أحيانًا على تحويل الفعل من واقعة ذات دلالة أخلاقية وقانونية إلى مصطلح تقني بارد، فتبتعد الكلمة عن الإنسان، ويبتعد الإنسان عن حقيقة ما يحدث.
ولهذا يعيد خطاب الملك وصل الدال بالمدلول، ويطالب بأن تستعيد الكلمات وظيفتها الأصلية، أي أن تسمّي الأشياء بما هي عليه، لا بما يُراد لها أن تبدو عليه.
واللافت أن الملك لا يخاطب مجتمعًا لغويًا أو ثقافيًا واحدًا، بل يخاطب عالمًا متعدد اللغات والثقافات؛ ولذلك تتجه اللغة إلى مفردات ذات قابلية كونية، مثل: العدالة، والحقوق، والسلام، والقانون، والثقة، والكرامة، والمسؤولية الأخلاقية. وبهذا تنتقل الكلمة من حدود القضية إلى فضاء المعنى الإنساني المشترك.
ولعل أجمل ما في الخطاب أن الفصاحة فيه لا تقوم على زخرفة اللغة، وإنما على تحريرها من الالتباس.
فحين يقول: «دعونا نسمِّ الأمور بمسمّياتها»، تصبح التسمية فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا في آن واحد.
وهنا تكتسب اللغة قوتها الحقيقية: أن تمنع الواقع من أن يُدفن تحت الكلمات.
ذلك هو معنى الفصاحة في هذا الخطاب؛ أن تقول ما يجب أن يقال، وأن تمنح الأشياء أسماءها، وأن تعيد للغة قدرتها على كشف الحقيقة حين يصبح العالم، كما قال نزار قباني، «يتوه على فمه التعبير».
حمى الله الملك نصيرًا لأمته العربية وسنداً ، وصار في هذا الموقف عنوانًا للزعامة الحقيقية بكل تجلياتها ووضوحها .