سيبقى الحائط الازرق شاهدا للابد
الدكتور عادل الوهادنة
26-09-2026 10:28 AM
* لن تذهب من ذاكرتنا.. تركنا الخدمات الطبية الملكية، ولم تتركنا
تركنا الخدمات الطبية الملكية، لكنها لم تتركنا. وما زلنا نرى أنفسنا معنيين بها وبحق مرضاها، وفاءً لما فهمناه من إرادة جلالة القائد الأعلى في تخصيص يوم للمحاربين القدامى: أن يستمر انتماؤنا وخدمتنا بعد انتهاء مناصبنا.
أتحدث اليوم بصرامة عما عشته قبل نحو أربع سنوات. تواصلت رسميًا وشخصيًا مع منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي ووزارتي الصحة والمالية. شرحت دور الخدمات الطبية الملكية واحتياجاتها وإسهامها، لكن مطالب أساسية لم تجد جوابًا يعالجها. وحين بحثنا استفادة الخدمات من فرص الدعم الصحي، سمعنا الحجة نفسها: «أنتم عسكر».
نعم، نحن عسكر. لكن المريض الذي نعالجه مواطن، ولا تتغير حاجته إلى العلاج لأن طبيبه يرتدي زيًا عسكريًا.
في جائحة كورونا، تفاوضنا وبيّنا دورنا وحاجتنا وإسهامنا، التزامًا بدعوة سيدي جلالة القائد الأعلى إلى المساواة. أرسلنا ثلاثة مستشفيات، ولم نتلقَّ من الجهات التي خاطبناها الدعم الذي طلبناه، رغم ما قدمناه. كان الجيش حاضرًا، وتحمل العبء الذي وقع على عاتقه.
واتخذنا قرارًا بأن تبقى مدينة الحسين الطبية مخصصة لرعاية المرضى غير المصابين بكورونا، باستثناء العناية الحثيثة. لم يكن مقبولًا أن يفقد هؤلاء المرضى مكان علاجهم أو أن يتعرضوا لمخاطر العدوى. وفي المقابل، قدمنا بديلًا يقترب من ٥٠٠ سرير في مستشفى الملكة علياء العسكري لاستقبال مرضى كورونا. فعلنا ذلك في وقت أُغلقت فيه أبواب مستشفيات أمام كثير من مرضى الأمراض الأخرى، وانصبّ عملها على كورونا. كان علينا أن نحمي المريضين معًا: المصاب بالفيروس، ومن قد يضيع علاجه بسببه.
ورأينا الفارق في المؤتمرات والإرساليات: كانت تُغطى مشاركة وزير الصحة في مؤتمرات، ولا تُتاح فرصة مماثلة لمدير الخدمات الطبية الملكية. وكانت الإرساليات تتجه إلى وزارة الصحة، ولا نصل إلى مشاركة الخدمات فيها إلا بطلوع الروح. وفي تلك المراجعات، قيل لنا إن التعامل مع مؤسسة عسكرية ليس ضمن آليات بعض الجهات. وحتى الفحوصات والمطاعيم القادمة عبر برامج الدعم، كنا نطالب بحصة للخدمات تتناسب مع دورها وحاجة مرضاها.
وحاولنا الحصول على دعم لإنشاء أكاديمية الملكة رانيا العبدالله للتطوير المهني المستمر في طب الأطفال التخصصي. قدمنا جلّ البنية التحتية للمشروع، وتواصلنا بشأن دعمه مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف وغيرهما، لكننا تُركنا من دون جواب. لم تكن الأكاديمية مجرد فكرة على الورق؛ كنا قد قدمنا لها ما نستطيع، وطلبنا دعمًا يُكملها.
كنا نبحث عن التكامل في كل شيء. لم نطلب أن يؤخذ حق وزارة الصحة ليُعطى للخدمات؛ طلبنا أن تُحسب الخدمات الطبية الملكية ضمن القطاع الصحي الأردني، وأن تُحسب حاجة مرضاها عند التخطيط للدعم. لكن صفتنا العسكرية كانت تعود إلى النقاش كلما طالبنا بمكاننا في تلك البرامج.
وأذكر مبادرة «همتنا» بالشكر والتقدير؛ فقد قدمت لنا أعلى مستوى من العناية والدعم، وهي مشكورة على ذلك، ثم واصلت مشروعاتها مع وزارة الصحة. تجربتنا معها أثبتت أن التعاون مع الخدمات الطبية الملكية ممكن ومثمر. فلماذا لا يصبح شمول الخدمات قاعدة واضحة بدل أن نبحث عنه في كل مرة؟
وكان لوقوف جلالة القائد الأعلى وسمو ولي العهد والجيش والأجهزة الأمنية إلى جانب الخدمات أثر حاسم. كما كان للديوان الملكي العامر، بتوجيه من صاحب الجلالة، دعم كريم ومباشر ساعدنا على سد جانب من احتياجاتنا.
وأذكر معالي الدكتور سعد جابر بالاسم وبالإنصاف: لم يقصّر. كانت علاقتي الطيبة به وتعاونه معنا يساعدانني في متابعة ما نحتاجه من وزارة الصحة وصناديقها. لكن حق مؤسسة تؤدي واجبًا وطنيًا يجب أن تصونه آلية واضحة، وأن يبقى قائمًا بعد الأشخاص، مهما كان تعاونهم موضع تقدير.
وبذلنا، بدعم من عطوفة الرئيس، جهودًا مضنية حتى لا يتحمل العسكريون كلفًا إضافية إذا طُبّق التأمين الصحي الشامل. بالنسبة إلينا، كان الأمر يتعلق بحق العسكري وأسرته في العلاج، لا ببند مالي مجرد.
كما فتحنا صيدليات العسكر لتأمين العلاجات البيولوجية ضمن نظام سلاسل التزويد. أردنا أن يصل العلاج إلى مستحقيه عبر مسار منظم، وأن نقلل ما يواجهه المريض من انتظار وبحث.
بقينا نعمل حتى حلّ علينا خير الله بدعم كبير من جلالة القائد الأعلى وسمو ولي العهد، وبمساندة الديوان الملكي العامر. وعندما تشابكت الملفات، كان توجيه جلالة القائد الأعلى واضحًا لنا: لتتقدم الخدمات الطبية الملكية.
وخضنا مشاورات مع رؤساء وزراء ووزراء صحة، وسمعنا مرارًا أن اتفاقيات بعينها لا تشمل العسكريين، مع وعد ببذل الجهد لمعالجة الأمر. وهنا السؤال الذي لا يجوز تركه بلا جواب: كيف تغيب الخدمات الطبية الملكية عن اتفاقية صحية، ثم يُطلب منها أن تتقدم كلما اشتدت الحاجة؟
في عام ٢٠٢٠، حصلنا على تمويل وتجهيز لمركز الأورام بعد أن وقف عطوفة الرئيس معي، بينما كنت أنتقل من مكتب إلى مكتب للحصول على ما يحتاجه المركز. وتلقينا وعدًا شفهيًا بدعم استحضار العلاجات المناعية، حتى يحصل المريض العسكري، مثل المريض المدني، على الخط الرابع من العلاج. لم يتحقق الوعد بالصورة التي انتظرناها، فاعتمدنا على ما أمكن توفيره.
وطلبنا دعمًا للأطباء يمنع تسربهم، على أن نسدده تدريجيًا. حصلنا على موافقة شفهية، ثم طُرح علينا من جانب وزارة المالية أن ذلك يزيد عبء الدين العام. وبقي خطر فقدان الأطباء قائمًا، وبقيت الخدمات مطالبة بأن تسد النقص بما لديها.
أضع هذه الوقائع كما عشتها، وأطالب بإجابة مؤسسية واضحة: ما المعايير التي تحدد نصيب الخدمات الطبية الملكية من الدعم والفرص والاتفاقيات الصحية، وهي تتحمل نصيبها من علاج المواطنين ومواجهة الأزمات؟ لا يكفي أن تُذكر مساهمتها يوم الطوارئ، ثم تعود حجة «أنتم عسكر» عند توزيع الموارد.
المنصف، حين يراجع من بقي حاضرًا ومن تحمل العبء، سيجد أن الجيش كان هناك، وأن الخدمات الطبية الملكية كانت هناك. وقد وجدنا الجيش في المقدمة حين احتجنا إلى إسناد مسؤولياتنا. من يُحسب له الواجب يوم الأزمة، يجب أن يُحسب له الحق عند التخطيط للدعم.
الخلاصة
تواصلنا رسميًا وشخصيًا، وطلبنا التكامل، وقدمنا البنية التحتية لمشروع تدريب الأطفال التخصصي، وعملنا كي لا تُزاد كلفة العلاج على العسكريين، ونظمنا تأمين العلاجات البيولوجية، وحافظنا على علاج مرضى غير كورونا مع توفير مئات الأسرّة لمواجهة الجائحة. نريد للخدمات الطبية الملكية مكانًا واضحًا منذ البداية في الاتفاقيات والدعم والتدريب والتجهيز والعلاج، يُقاس بحجم دورها وحاجة مرضاها.
المراجع
توثق المراجع التالية السياق العام وبعض الإجراءات المنشورة. أما الاتصالات والمفاوضات والقرارات الداخلية والوعود التي ذكرتها، فهي شهادتي عما عشته.
1. الديوان الملكي الهاشمي: يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى. (rhc.jo)
2. الخدمات الطبية الملكية: خطة المستشفيات الميدانية الثلاثة لمواجهة كورونا. (jrms.jaf.mil.jo)
3. الخدمات الطبية الملكية: تعزيز قدرة مستشفى الملكة علياء العسكري بمستشفى ميداني لمصابي كورونا. (jrms.jaf.mil.jo)
4. وزارة الصحة: تعاون «همتنا» مع الخدمات الطبية الملكية ووزارة الصحة. (moh.gov.jo)
5. الخدمات الطبية الملكية: نشاط مركز التطوير المهني المستمر في مستشفى الملكة رانيا العبدالله للأطفال. يوثق نشاط المركز، ولا يوثق طلب دعم الأكاديمية المقترحة. (jrms.jaf.mil.jo)