facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أين تذهب أموال الأردنيين؟


د. مثقال القرالة
27-09-2026 09:39 AM

هناك سؤال يطرحه الأردني كلما دفع ضريبة أو رسماً أو شاهد الأسعار تلتهم جزءاً جديداً من دخله: أين تذهب أموالنا؟ سؤال مشروع، لكن إجابته لا توجد في منشور غاضب على وسائل التواصل ولا في خطاب حكومي مطمئن، بل في الموازنة العامة نفسها. ففي عام 2026 تخطط الدولة لإنفاق نحو 13.056 مليار دينار، بينما تقدر إيراداتها العامة بنحو 10.931 مليار دينار فقط، لتبقى فجوة تبلغ نحو 2.125 مليار دينار. والمشكلة تبدأ من هنا: نحن أمام دولة تنفق أكثر مما تجمع، والفرق لا يختفي في نهاية السنة، بل يحتاج إلى تمويل، والتمويل يتحول إلى دين، والدين يعود في السنوات التالية مطالباً بفوائده.

لكن المفاجأة الأكبر تظهر عندما نسأل: أين تذهب هذه المليارات؟ من أصل 13.056 مليار دينار، هناك نحو 11.456 ملياراً نفقات جارية، مقابل 1.6 مليار فقط نفقات رأسمالية. أي أن قرابة 88 ديناراً من كل مئة دينار تنفقها الدولة تذهب إلى الإنفاق الجاري، بينما يذهب نحو 12 ديناراً للإنفاق الرأسمالي. وهذا لا يعني أن الإنفاق الجاري هدر؛ فهو يتضمن رواتب وتقاعداً وصحة وتعليماً وأمناً ودعماً والتزامات أساسية، لكنه يكشف حجم المساحة الضيقة المتبقية لبناء المستقبل.

الدولة تدخل عامها المالي مثقلة بالتزامات يجب دفعها قبل أن تبدأ التفكير في مشروع جديد، وكأن الراتب يصل أول الشهر فتقف الأقساط والفواتير أمام الباب قبل أن يستطيع صاحبه التفكير بما سيفعله بما تبقى.

أما الرقم الذي يستحق أن نتوقف عنده طويلاً فهو 2.260 مليار دينار مخصصة لفوائد الدين العام. فوائد فقط، لا أصل الدين. والمفارقة أن الأردن يخصص للنفقات الرأسمالية كلها نحو 1.6 مليار دينار. أي أننا نخصص لفوائد الدين أكثر مما نخصص رأسمالياً للمستقبل بنحو 660 مليون دينار. وهنا يتحول السؤال من «أين تذهب أموال الأردنيين؟» إلى سؤال أكثر إيلاماً: كم ندفع اليوم ثمناً للأمس، وكم يبقى لدينا لبناء الغد؟ ففوائد الدين لا تبني مدرسة ولا مستشفى ولا مصنعاً ولا طريقاً؛ إنها كلفة التزامات تراكمت عبر سنوات. وهذه ربما تكون واحدة من أخطر مشكلات المالية العامة الأردنية: أن الماضي أصبح ينافس المستقبل على الدينار نفسه.

وفي المقابل، لا يجوز اختزال الموازنة كلها في الدين والرواتب. فهناك مئات الملايين التي تذهب إلى الحماية الاجتماعية ودعم الخبز والسلع الاستراتيجية وأسطوانة الغاز وعلاج مرضى السرطان، كما أن الإنفاق الرأسمالي ارتفع في 2026 إلى نحو 1.6 مليار دينار، ويتضمن مشروعات مرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي والبلديات والمحافظات والمياه والطاقة والنقل. لكن القضية ليست كم أعلنت الحكومة أنها ستنفق، بل ماذا سيصنع هذا الإنفاق؟ نحن بحاجة إلى تغيير ثقافة كاملة في إدارة المال العام: الوزارة التي تنفق موازنتها كاملة ليست بالضرورة وزارة ناجحة، والمشروع الذي كلف مئة مليون ليس بالضرورة إنجازاً؛ النجاح يقاس بما تحقق مقابل كل دينار. كم وظيفة خُلقت؟ كم مشروعاً اكتمل؟ كم تحسنت الخدمة؟ وكم ديناراً من الإنفاق تحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية؟

وهنا تصل الرسالة إلى الحكومة بوضوح: لا يمكن معالجة الاختلال المالي إلى ما لا نهاية بالبحث عن إيرادات إضافية من المواطن نفسه. الضرائب ضرورة لأي دولة، لكن المواطن والقطاع الخاص ليسا بئراً بلا قاع. الطريق الأكثر استدامة لزيادة الإيرادات هو تكبير الاقتصاد الذي نجبي منه، لا الاكتفاء بزيادة ما نجبيه من الاقتصاد نفسه. مصنع جديد يعني وظائف ودخولاً وضرائب، وسائح إضافي يعني فنادق ومطاعم ونقلاً ومبيعات، واستثمار جديد يعني نشاطاً وإيرادات مستقبلية. الأردن يحتاج إلى موازنة يصبح فيها النمو شريكاً في تمويل الدولة، بدل أن تبقى الضرائب والاقتراض الأداتين الأسرع لسد الفجوة.

الأردني لا يطلب دولة بلا ضرائب، ولا يتوقع إلغاء الدين في ليلة واحدة، ولا يريد وقف رواتب الموظفين والمتقاعدين أو الدعم عن المحتاجين. ما يطلبه أبسط من ذلك: أن يرى أثر الدينار الذي يدفعه. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبدأ به إعداد كل موازنة قادمة ليس فقط: كم سنجمع؟ وكم سننفق؟ بل: ماذا سنصنع بما نجمع وننفق؟ لأن المال العام ليس مجرد أرقام في جداول وزارة المالية؛ إنه جزء من دخل الأردنيين ومستقبل أبنائهم. وحين يدفع المواطن ديناره للخزينة فمن حقه أن يعرف أين ذهب، لكن الأهم أن يرى ماذا عاد به إليه: خدمة أفضل، وفرصة عمل، واستثماراً منتجاً، واقتصادًا أقوى، وديناً أقل. فالمشكلة ليست أن الأردني لا يعرف كيف يدفع؛ المشكلة أن من حقه، بعد كل ما دفع، أن يرى بوضوح ماذا بُني بديناره.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :