حين تعبر الخطى الحدود… رحالة فلسطين على دروب الأردن
عبدالرحيم العرجان
27-09-2026 09:49 AM
ليست المسارات مجرد دروب تمتد بين الجبال والوديان والصحارى، وليست الرحلة مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ فالمشي في الأرض هو في جوهره اكتشاف للإنسان والمكان وذاكرة الرابط الأخوي عبر العصور. ومن هذا المعنى جاءت زيارة الرحالة من فلسطين إلى الأردن، ليخوضوا تجربة مختلفة بين دروب الطبيعة والتراثية، وليكتشفوا ما لا يمكن أن ترويه الخرائط ولا الكتب، مستذكرين مسارات دكّتها خطى أجدادنا وما حدثونا عنه بين السلط ونابلس وعجلون وبيسان والكرك والخليل وحجيج بيت المقدس وزوار المغطس وكنيسة المهد والقيامة.
فمن فلسطين إلى الأردن، لا تبدو المسافة بعيدة حين تجمعها محبة الأرض؛ فالدروب التي يسير عليها الرحالة اليوم تحمل حكايات متقاربة، وذاكرة مشتركة، ومشهدًا جغرافيًا وثقافيًا يمتد بلا حدود، لمسناه حين سرنا من مسعدة في الجولان إلى راهط، أقصى جنوب بئر السبع، عابرين على خطى أنبياء وتجار وقادة فاتحين.
وفي كل خطوة، هناك فرصة لاكتشاف الحقيقة، والتعرف إلى أهل، والاستماع إلى قصص أبناء العمومة والأنساب وأهازيج تُغنّى بذات اللسان.
هذه الزيارات لم تكن مجرد رحلات عابرة، بل إعادة إحياء جسرًا للتواصل بين الشعوب العربية جميعًا.
د. حنان مصطفى الرمحي/ مدير عام مدرسة فلسطين الأمريكية
أمشي في الأردن لأنه حلم لكل محب للمشي والترحال. فتنوّع تضاريسه، وثراء تاريخه وآثاره، وكرم أهله وحسن ضيافتهم، كلها تتضافر لتضع الأردن بين جواهر أفضل وجهات المشي والترحال في العالم. روائع مثل وادي رم، والبتراء، وعجلون، وأم الدامي، ودبين، وغيرها الكثير.
أما محمية ضانا، فهي من أحب الأماكن إلى قلبي، لأسباب يصعب تفسيرها. حين أخبرتنا مرشدتنا أن المسار سيستغرق ثلاث ساعات فقط، شعرت بخيبة أمل؛ كنت أريد ساعات أطول، أطول بكثير. فقد قطعت كل هذه المسافة من أجل هذا.
وفي الطبيعة، لا يكاد المرء يشبع من صحبتها، فهي تبعث السكينة وتأسر الحواس في آن واحد. لكن المرشدة ظلت تقول: «سيكون ذلك كافيًا. سترين».
وكانت محقة. كان كافيًا، لأن الزمان والمكان امتزجا على نحو بدا وكأنه خلق بُعدًا خامسًا. وفي العوالم الجديدة نحتاج إلى لغة جديدة، لغة لم أصغها بعد. ولكن إن كان لا بد لي من المحاولة، فلنقل: تلال مستديرة ملساء، تتراكم طبقات بعضها فوق بعض، وتعلو أرضًا صحراوية لا تقدم للمرء واحة سوى رحابة خياله.
وتكوينات من الصخور الرملية، على مقياس بشري، تدعوني إلى دخول أرض لا أعرفها، وكان المجهول يملؤني بنشوة الاكتشاف.
وقبل أن أستوعب ما الذي استولى عليّ، كان وادي الجن قد ابتلعني في هوّة لم أعد منها حتى الآن.
ولعل هذا هو ما أبحث عنه حين أمشي: أن أضيع قليلًا كي أجد نفسي، وأن أبتعد عن العالم بما يكفي لأعود إليه أكثر قربًا من ذاتي، وأكثر اتصالًا بكل ما حولي.
د. زياد سوالمة/ الجامعة الدولية الزرقاء، المحمدية ـ المغرب
حظيتُ بالتعرف على العرجان خلال زياراتي السنوية. وزيارة الأردن طقس سنوي لا غنى عنه، فالبلد منطلقي إلى فضاءات مختلفة.
لن أسهب في وصف عطل عادية، ولا تعدو عن كونها زيارات كلاسيكية. لكن رحلتي الأخيرة لوادي الحسا كانت ذات طعم مختلف. فحين انحدرت بي الحافلة متجهة إلى غور الصافي مجانبة البحر الميت بزرْقته الأخاذة وهوائه المثقل بالتاريخ البشري، شعرت بأنني ألقيت بكل ثقلي في جو غرائبي حُقَّ له أن يُكتشف.
مكان ينقلك من صخب المدينة إلى صمت.
لم يفاجئني المكان أول الأمر، قناة مائية إسمنتية صغيرة تُفضي إلى أقنية أخرى. ولكن الولوج الفعلي إليه يُذكّر بفلسفة تصميم الحديقة اليابانية التقليدية التي لا تسفر عن جمالها دفعة واحدة، بل تدفع زائرها إلى التنقل المستمر كي تتكلل جهوده برعشة الاكتشاف. لقد خلقت مياه وادي الحسا المتدفقة سياقًا مواتيًا لاكتناه بعض أسراره، تاركة عندي ـ وحول قدميّ المياه وحبيبات الرمل ـ تعطشًا متجددًا للارتباط الحسي بالمكان ورغبة في قضاء فترة أطول تتيح لي التبتل فيه والإصغاء إلى وشوشاته العذبة. غير أن تنسيق الطبيعة لا ينبغي له أن يُقارن بتنضيد البشر مهما بلغ شأوه. الوادي مدعاة للتأمل بعظمة المكان وإمتاع البصر ببصمات الزمن التي نحتها على صفحات صخوره الخالدة.
وكم أسفت كون المسار المقترح قصيرًا، فقد تمت تغطية مسافة من مجمله الممتد إلى مشارف مدينة الطفيلة. وككل جميل، نتركه مع رغبة أكبر في العودة إليه.
يوسف أبو طاعة/ باحث أثري
ذهبنا لنرى البترا ليلًا، ولليل سحره كما في ألف ليلة وليلة.
كان القمر حاضرًا فوق الجبال، والنجوم تلمع في المساحات الضيقة بين القمم، فيما توزعت الشموع على جانبي الطريق، ترسل ضوءًا خافتًا على الصخور الوردية.
في الليل يكون للأشياء وقع آخر، وإحساس أعلى. بعض الأشياء لا تُرى بالعين وحدها، بل تُسمع بالقلب، نعم كنا نسمع دقات قلوب من سكنوها، وكان للقمر، وهو يطل من بين شقوق الصخور، وهج مختلف؛ كأنه يعرف شيئًا عن الذين مروا من هنا، وعن القوافل التي قطعت هذا الطريق قبل آلاف السنين، تحمل البخور والتوابل والسلع، ثم اختفت، ولم يبق منها سوى صدى بعيد في الصخر.
طبعًا، البترا في النهار أجمل.
لكن الليل منحها شيئًا آخر، منحها سحرًا لطيفًا، كان السير في السيق أشبه بالدخول في ذاكرة طويلة. الصخور العالية تحجب السماء، والممر يضيق ثم يتسع، فيما تقودنا الخطوات ببطء نحو الخزنة. وعند نهايته ظهرت الواجهة فجأة، مضاءة بالشموع، كأنها خرجت من العتمة لا من الجبل.
جلسنا أمامها نستمع إلى صوت ناي حزين. كانت الموسيقى تحمل شيئًا من روح الترحال، ووقع خطى الإبل، وحزن الصحراء الذي لا يشبه أي حزن آخر.
إلى جانب الناي كانت هناك ربابة بأربعة أوتار، وقوس مصنوع من شعر فرس عربي أشهب. كان عازف الربابة يعزف الفرح أحيانًا، ويغني للعشق أحيانًا أخرى. وأظن أن بعض معزوفاته كانت تستعيد شيئًا من موسيقى الفن الشعبي.
ربما لم نكن نستمع إلى الموسيقى وحدها. ربما كنا نستمع إلى المكان نفسه؛ إلى القوافل التي عبرت، وإلى الذين انتظروا هنا، وإلى الذين غادروا ولم يعرفوا أن أحدًا سيأتي بعدهم بقرون.