facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




القبول الموحد مرة أخرى: السؤال الذي يأتي قبل الأرقام


فيصل تايه
27-09-2026 10:04 AM

عطفاً على المقال الذي نشرته بالأمس حول نتائج القبول الموحد والحدود التنافسية، أجد نفسي أمام سؤال يسبق الأرقام كلها: كيف نقرأ نتائج تجربة جديدة؟ وهل يكفي أن تكون الأرقام صحيحة حتى يكون تفسيرنا لها صحيحاً؟

ولأننا نتحدث هنا عن تجربة تمس مسار الطلبة ومستقبلهم، فإن طريقة قراءتنا لنتائجها لا تقل أهمية عن النتائج نفسها. فقبل أن نسأل: ماذا قالت الأرقام؟

علينا أن نسأل أولاً: كيف صُنعت هذه الأرقام، وما الأدوات والقواعد التي أنتجتها، وهل تسمح لنا فعلاً بأن نستخلص منها الحكم الذي نريده؟ ومن هنا، فإن النظر إلى التجربة لا ينبغي أن يبدأ من موقف مؤيد لها أو معترض عليها، وإنما من محاولة فهمها كما هي، ثم اختبار ما تقوله نتائجها وما لا تقوله.

وهذا لا يعني أن التجربة موضع رفض، بل يعني أن الإصلاح نفسه يحتاج إلى أن نقرأه بعين نقدية هادئة؛ لأن قيمة أي إصلاح لا تقاس فقط بجرأة الخطوة، وإنما بقدرته على إنتاج نتائج يمكن فهمها وتقييمها والبناء عليها.

فأي تجربة جديدة تستحق فرصة حقيقية قبل الحكم عليها، لكن منحها هذه الفرصة لا يعني التوقف عن مساءلة أدواتها ونتائجها. فهناك فرق بين انتظار اكتمال التجربة للحكم عليها، وبين أن نسأل منذ بدايتها: هل صُممت بطريقة تجعل نتائجها قابلة للقراءة والتفسير أصلاً؟

فليس كل رقم صحيح يقود بالضرورة إلى استنتاج صحيح. قد يكون الرقم صحيحاً حسابياً، وقد يكون ترتيب الطلبة قد تم وفق القواعد المعلنة، لكن هل يعني ذلك أننا أصبحنا أدق في قياس تعلم أبنائنا وتقدير جاهزيتهم للجامعة؟ أم أصبحنا فقط أدق في ترتيبهم داخل قواعد جديدة للمنافسة؟ وهذه ليست مسألة لغوية أو تفصيلاً منهجياً صغيراً؛ لأنها تمس جوهر الطريقة التي نحكم بها على تجربة تعليمية كاملة.

ومن زاوية أراها أساسية في قراءة مثل هذه التجارب، يصعب أن نفسر نتيجة واحدة بينما تتغير في الوقت نفسه المسارات والمواد والأوزان وقواعد التنافس. وعندما يحدث ذلك، يصبح من الصعب إرجاع النتيجة إلى عامل واحد. وإذا كانت طريقة التجربة وأدواتها وخطواتها نفسها قد أثرت في النتائج أو ما زالت تحتاج إلى مراجعة، فكيف نتعامل مع نتائجها باعتبارها دليلاً مستقلاً على صحة النظام الذي أنتجها؟

لهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: أين توقفت الحدود؟ بل ما الذي أنتج هذه الحدود، وكيف أثرت قواعد القبول نفسها في هذه النتيجة؟

وهنا تظهر مسألة لا يمكن تجاوزها إذا أردنا قراءة النتائج قراءة تربوية لا حسابية فقط: الطلبة لم يدخلوا هذه المنافسة من نقطة واحدة؛ فالمسارات التي جاءوا منها تختلف في طبيعة موادها وأهدافها ومخرجاتها.

ولذلك، فإن قراءة نتائج القبول دون النظر إلى هذه الاختلافات قد تجعلنا ننسب إلى الطالب نتيجة صنعتها، جزئياً على الأقل، قواعد المنافسة نفسها. وما أراه هنا أن العدالة في القبول لا تعني بالضرورة إخضاع الجميع للأداة ذاتها، بقدر ما تعني أن تكون الأداة قادرة على التعامل بعدالة مع اختلاف المسارات التي جاء منها الطلبة.

فإذا ظهرت نسب قبول مختلفة بين المسارين المهني والأكاديمي، فلا يكفي قراءتها كدليل نجاح لمسار وإخفاق لآخر، من دون النظر إلى أعداد المتقدمين، والمقاعد المتاحة، وطبيعة التخصصات، وقواعد المنافسة والخيارات المتاحة لكل مسار. ومن هنا، لا تعود المسألة مجرد مقارنة بين نسب القبول، بل تصبح سؤالاً أعمق: هل نقيس المسار المهني بالمعيار الصحيح أصلاً؟

وللإجابة، لا بد أن نعود إلى الغاية التي أُنشئ من أجلها هذا المسار. فإذا كان هدف التعليم المهني تقديم معرفة تطبيقية ومهارة تلبي حاجة الاقتصاد، فلماذا نختزل نجاحه في قدرة طلبته على المنافسة على مقاعد الجامعة؟

في تقديري، النجاح الحقيقي للمسار المهني لا يقاس بعدد من يعبرون منه إلى الجامعة فقط، بل بقدرته على إنتاج طالب يمتلك معرفة ومهارة قابلة للبناء عليها أكاديمياً ومهنياً، سواء اختار استكمال دراسته أم اختار الدخول إلى سوق العمل.

وعندما نعيد تعريف النجاح بهذه الصورة، يصبح من الطبيعي أن نعيد النظر أيضاً في الأدوات التي نقيس بها هذا المسار، وفي الطريقة التي ندخله بها إلى منظومة المنافسة الجامعية.

فإذا أردنا للمسار المهني أن يكون خياراً حقيقياً لا اضطرارياً، فعلينا أن نبني منظومته المتكاملة، وأن نتأكد في الوقت نفسه من أن قواعد المفاضلة تراعي طبيعة مسارات التكنولوجيا والهندسة ومخرجاتها، ولا تستخدم أدوات متشابهة لمقارنة مسارات مختلفة في أهدافها وبنيتها.

فالإنصاف هنا لا يعني أن نعطي كل المسارات المعاملة نفسها بصورة آلية، وإنما أن نضمن لكل مسار فرصة عادلة تتناسب مع طبيعته ومتطلباته.

لكن حين ننتقل من سؤال قيمة المسار إلى سؤال الانتقال بين المسارات، تظهر طبقة أخرى من القضية. فحين تسمح آلية القبول بالانتقال بين مسارات مختلفة، يصبح السؤال أكثر دقة: هل يمتلك الطالب الأساس الأكاديمي الذي يتطلبه التخصص الذي ينتقل إليه؟

وتظهر هذه المسألة بوضوح عند إتاحة بعض التخصصات الهندسية المرتبطة بالمجال الطبي لطلبة المسار الصحي.

وكي أكون دقيقاً هنا، فإن طلبة المسار الصحي درسوا الرياضيات والفيزياء، ولا يصح القول إنهم لم يدرسوها، لكن وجود المادة في الخطة شيء، وعمقها ووزنها ومستوى التدريب عليها شيء آخر.

وهنا يجب التمييز بين العلوم الطبية والعلوم الهندسية الطبية؛ فقد يكون التخصص مرتبطاً بالمجال الطبي في تطبيقاته، لكنه في بنيته العلمية تخصص هندسي يقوم على الرياضيات والفيزياء والعلوم الهندسية. ومن ثم، فإن مجرد التشابه في المجال العام لا يعني بالضرورة تطابق المتطلبات الأكاديمية.

ولهذا، فإن السؤال الذي أراه أكثر أهمية ليس: هل نفتح الباب أم نغلقه؟ بل: هل يمتلك الطالب الأساس الأكاديمي الذي يمكنه من الدخول إلى التخصص والاستمرار والنجاح فيه؟

وإذا وجدت فجوة، فالحل ليس بالضرورة إغلاق الباب أو ترك الطالب يواجهها وحده، بل يمكن بناء جسر أكاديمي حقيقي عبر مساقات تأسيسية واستدراكية ومتطلبات واضحة قبل الانتقال.

فالفرصة الحقيقية، كما أراها، ليست مجرد الدخول، وإنما امتلاك مقومات الاستمرار والنجاح.

لكن عدالة آلية القبول لا تتعلق فقط بمن دخل، ولا بالمسار الذي دخل منه، وإنما أيضاً بمن لم يجد له مقعداً أصلاً.

ففي الجهة الأخرى، هناك عشرات الآلاف ممن لم يحصلوا على قبول جامعي، وهي ليست مجرد نتيجة إحصائية؛ فخلف كل رقم طالب وأسرة ومسار تعليمي يجب أن يكون له بديل.

ومن هنا، فإن النظر إلى هذه الفئة لا ينبغي أن يكون باعتبارها "خارج" النظام، بل باعتبارها جزءاً من مسؤولية النظام نفسه.

والسؤال هنا لا ينبغي أن يتوقف عند: لماذا لم يُقبل هؤلاء؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر مسؤولية: ماذا أعددنا لهم بعد عدم القبول؟ هل أمّنا لهم مسارات مهنية وتقنية حقيقية، وبرامج لإعادة التأهيل واستكمال التعليم؟
وهل يستطيع الطالب أن يعيد بناء فرصته بدل أن تتحول نتيجة القبول في عام واحد إلى نهاية الطريق؟

إذا كانت وظيفة الإصلاح أن يوسّع فرص الطلبة لا أن يعيد توزيعها فقط، فإن نجاحه لا يقاس بعدد من عبروا بوابة الجامعة وحدها، بل أيضاً بما وفره لمن لم يعبرها.

ولذلك، فإن السؤال الأوسع ليس فقط: من قُبل ومن لم يُقبل؟ بل: ما المسار النافع الذي نمنحه لكل طالب بعد هذه النقطة؟

ومن هنا أصل إلى الجانب الذي أراه أكثر أهمية في الحكم على أي تجربة جديدة: ماذا يحدث بعد القبول؟

فالاختبار الحقيقي لا يبدأ وينتهي عند لحظة ظهور أسماء المقبولين. نحتاج إلى متابعة الطالب داخل الجامعة: كيف كان أداؤه؟ هل احتاج إلى مساقات استدراكية؟

هل استمر في تخصصه أم غيّره؟ وهل تمكن من التخرج والانتقال إلى سوق العمل؟ هذه البيانات هي التي ستساعدنا على معرفة ما إذا كانت أدوات الفرز والقبول قد أدت فعلاً إلى النتائج التعليمية التي كنا نريدها.

فالقبول يقيس من دخل، لكنه لا يقيس وحده من نجح. والحد التنافسي يحدد أين توقفت المنافسة، لكنه لا يحدد وحده مستوى التعلم. والترتيب يحدد موقع الطالب بين المتنافسين، لكنه لا يختصر ما يمتلكه من معرفة ومهارات واستعداد.

ولهذا، فإن الحكم على التجربة يحتاج إلى أن ينتقل من الرقم الذي ظهر في بداية الطريق إلى المسار الذي قطعه الطالب بعد ذلك. عندها فقط يمكن أن نعرف إن كانت قواعد القبول قد أدت وظيفتها التعليمية، أم أنها نجحت أساساً في إعادة ترتيب المنافسة.

لذلك، ربما يكون من المبكر أن نسأل: هل نجح النظام أم فشل؟ لكن ليس من المبكر أن نسأل: ماذا تعلمنا من تطبيقه الأول؟ وهل كانت الأدوات والقواعد التي استخدمناها قادرة فعلاً على قياس ما كنا نريد قياسه؟

وفي تقديري، هذه الأسئلة لا تعيق الإصلاح؛ بل تحميه. فمراجعة التجربة ليست رفضاً لها، والاعتراف بما تحتاجه من تعديل لا يعني التخلي عن هدفها. بل إن قيمة أي تجربة إصلاحية لا تكمن فقط في نتائجها الأولى، وإنما في قدرتنا على التعلم منها وتصحيح مسارها عندما تكشف لنا الممارسة ما يحتاج إلى مراجعة.

وفي النهاية، لا يحتاج الطالب إلى ترتيب أفضل أو باب أوسع فحسب؛ بل إلى نظام يفهم قدراته، ويمنحه فرصة عادلة، ويهيئه للطريق الذي اختاره، ويبني له جسراً عند الانتقال، ويقدم له بديلاً حقيقياً إن لم يكن الطريق الجامعي هو خياره.

وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: هل صممنا نظاماً يرتب أبناءنا فقط، أم نظاماً يساعدهم فعلاً على النجاح؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :