facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من يملك الـ 47 ثانية؟ الجغرافيا السياسية للانتباه


حسن عبدالحميد الرواشدة
27-09-2026 11:21 AM

حين تحدث الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن تراجع متوسط الانتباه أمام الشاشة من دقيقتين ونصف تقريباً عام 2004 إلى 47 ثانية اليوم، لم تكن المسألة استدعاءً عابراً لأحد أعراض العصر الرقمي. الفكرة الأكثر أهمية جاءت بعدها فالانتباه لم يعد مجرد مورد معرفي، بل أصبح مورداً جيوسياسياً.

هذه العبارة تستحق أن تُقرأ كثيرا، لأنها تصف واحداً من التحولات الأقل وضوحاً في مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين.

فالدول عرفت تاريخياً موارد القوة جيداً مثل الأرض، السكان، الجيوش، الاقتصاد، الطاقة، التكنولوجيا، والموقع الجغرافي. ثم أضيفت إليها لاحقاً القوة الناعمة والقدرة على صناعة السردية. لكن العالم يدخل اليوم مرحلة يصبح فيها مورد آخر نادراً ومؤثراً هو انتباه العالم نفسه.

والسبب بسيط فنحن لا نعيش نقصاً في المعلومات، بل فائضاً هائلاً منها. وما أصبح نادراً ليس الخبر، وإنما الإنسان المستعد للتوقف أمامه وهنا تنتقل المسألة من علم النفس إلى السياسة.

فإذا كان انتباه الأفراد محدوداً، فإن انتباه الدول والمؤسسات والإعلام محدود أيضاً. لا تستطيع الحكومات أن تمنح عشر حروب الأهمية نفسها، ولا تستطيع غرف الأخبار أن تضع عشر أزمات على رأس نشراتها، ولا تستطيع المجتمعات أن تعيش بالحماسة ذاتها تجاه كل مأساة تقع في العالم.

وهكذا تنشأ، عملياً، سوق عالمية للانتباه تتنافس فيها غزة مع أوكرانيا، وأوكرانيا مع إيران، والحرب مع أزمة اقتصادية، والأزمة مع انتخابات، والانتخابات مع كارثة طبيعية، وكل ذلك ينافس ملايين الصور والفيديوهات والتنبيهات التي تصل إلى شاشة صغيرة يحملها الإنسان في يده.

وهنا تصبح القدرة على إبقاء قضية ما داخل مجال الرؤية الدولي شكلاً من أشكال القوة.

ومن هنا يمكن قراءة المأساة الفلسطينية بطريقة مختلفة. إسرائيل والفلسطينيون لا يتصارعون فقط على الأرض والسيادة والأمن والحقوق، هناك أيضاً صراع مستمر على انتباه العالم إلى ما يحدث على هذه الأرض، وعلى اللغة التي يرى العالم من خلالها ما يحدث.

وهذا أمر شديد الخطورة بالنسبة للفلسطينيين تحديداً. فالمأساة الطويلة تواجه عدواً إضافياً هو الاعتياد. الصدمة الأولى تجذب الكاميرات، لكن استمرارها قد يحول الاستثنائي إلى يومي، واليومي إلى مألوف، والمألوف إلى خلفية.

وهكذا يمكن أن يستمر الحدث بينما ينتهي الاهتمام به. وهذه ربما إحدى أكثر مفارقات عصر المعلومات قسوة وهي أن يعرف العالم أكثر مما عرف في أي وقت سابق، لكنه يتذكر أقل.

لم يعد إخفاء الحقيقة ضرورياً دائماً فأحياناً يكفي إغراقها بحقائق أخرى. ولا يحتاج الطرف الأقوى بالضرورة إلى إقناع العالم بأن رواية خصمه كاذبة فقد يكون كافياً أن ينتظر حتى ينتقل العالم إلى قصة أخرى.

وهنا تحديداً تصبح الـ 47 ثانية مسألة سياسية.

لأن السؤال العربي لم يعد فقط كيف نوصل روايتنا إلى العالم؟ الرواية تصل. صور غزة وصلت إلى مليارات البشر، والفيديوهات تعبر الحدود خلال ثوانٍ. السؤال الأصعب هو كيف نجعل العالم يبقى منتبهاً بعد الثانية السابعة والأربعين؟

وهذا يتطلب مراجعة عربية حقيقية لمفهوم الاتصال السياسي.

نحن ما زلنا نتعامل غالباً مع الإعلام باعتباره وسيلة لنقل الموقف، بينما أصبحت المعركة العالمية معركة على بناء الاهتمام والمحافظة عليه. الفارق كبير بين إصدار بيان وبين صناعة أجندة، وبين إيصال رسالة مرة واحدة وبين بناء سردية قادرة على البقاء، وبين أن تكون موجوداً في الأخبار وأن تكون حاضراً في الوعي السياسي.

حتى المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسائط محايدة. اقتصادها نفسه قائم على التنافس على مورد نادر هو انتباه الإنسان وهذا يعني أن الخوارزمية دخلت، بطريقة غير مباشرة، إلى ميدان الجغرافيا السياسية.

ما يثير الغضب ينتشر. ما يفاجئ يتقدم. الجديد يزيح القديم. والمشهد الأقصر ينافس القضية الأطول. وفي بيئة كهذه تمتلك الأزمات الجديدة ميزة بنيوية على القضايا المزمنة، حتى عندما تكون القضايا المزمنة أكثر خطورة.

بالنسبة للعالم العربي، هذه ليست مسألة علاقات عامة. إنها مسألة قوة.

فالعرب يمتلكون قضايا عادلة، وموارد اقتصادية، وموقعاً جغرافياً استثنائياً، وكتلة بشرية كبيرة، لكن ذلك لا يعني تلقائياً امتلاك القدرة على تحويل هذه العناصر إلى انتباه دولي مستدام ثم تحويل الانتباه إلى موقف، والموقف إلى سياسة.

وهنا ربما ينبغي أن نضيف إلى مفردات العمل السياسي العربي مفهوماً جديداً هو الأمن الجيوسياسي للانتباه.

أي ألا نترك حضور قضايانا رهينة وقوع كارثة جديدة كي يتذكرها العالم، وألا نعتبر الوصول إلى شاشة العالم إنجازاً في ذاته، بل نبني مؤسسات وسرديات وشبكات إعلامية وثقافية وأكاديمية ودبلوماسية قادرة على إبقاء القضايا العربية داخل المجال المعرفي والسياسي العالمي.

فالانتباه ليس بديلاً عن القوة العسكرية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية، لكنه أصبح شرطاً مهماً لتحريكها.

القضية التي يراها العالم يمكن أن تولّد ضغطاً سياسياً. والقضية التي يناقشها الرأي العام تدخل البرلمانات والجامعات والإعلام. أما القضية التي تخرج من مجال الانتباه فقد تبقى عادلة، وقد يبقى ضحاياها يتألمون، لكنها تخسر جزءاً من قدرتها على تحريك النظام الدولي.

وهنا تكمن قوة الفكرة التي طرحها جلالة الملك من على منبر الأمم المتحدة فالسؤال لم يعد من يمتلك الأرض والسلاح والمال؟ هناك سؤال آخر يتقدم بسرعة، من يمتلك انتباه العالم؟

وفي زمن لا يمنح الإنسان فيه الشاشة الواحدة أكثر من 47 ثانية في المتوسط، قد تصبح إحدى أهم معارك السياسة في القرن الحادي والعشرين هي المعركة على الثانية الـ 48.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :