خطاب الملك في الأمم المتحدة: حزم أردني لا يساوم وثوابت لا تختزل
قيس محمود ارشيدات
27-09-2026 01:01 PM
لم يكن خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني في المحافل الأممية مجرد سرد تقليدي للمواقف السياسية، بل كان محطة فاصلة وضعت الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية. حين يتحدث جلالته، فإنه ينطق بلسان الأردن الثابت الذي لم يعرف يوماً التردد في قول الحقيقة، ولا المهادنة على حساب قضايا الأمة وثوابتها.
في قراءة دقيقة لمضامين الطرح الملكي، يبرز بوضوح السقوط المدوي لمنظومة المعايير المزدوجة التي يمارسها المجتمع الدولي. لقد أشار جلالته بصراحة مطلقة إلى أن التغاضي عن الانتهاكات المستمرة والعدوان الممنهج لم يعد مجرد عجز في الأدوات، بل أصبح خياراً سياسياً مفضوحاً يعكس استخفافاً بالقانون الدولي وبدماء الشعوب. الأردن هنا لا يعاتب، بل يعري الحقيقة ويكشف زيف الشعارات التي تتبخر حين تتعارض مع مصالح الكبار، مؤكداً أن غياب المساءلة والإفلات الدائم من العقاب هما الوخزتان اللتان تدفعان الإقليم نحو مزيد من الاشتعال.
وما يزيد المشهد خطورة هو محاولات تصدير الأزمات الإقليمية وخلط الأوراق، لا سيما مع التمادي في العدوان وسياسات التوسع والضم التي تستهدف فلسطين والمنطقة بأسرها. وهنا تحديداً برزت الرسالة الأشد حزماً ووضوحاً في كلام الملك حول الأردن وحمايته ضد أي تهديد، عندما أعلنها جلالته قاطعةً لا تقبل التأويل بأن «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي، ولن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا».
هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات خطابية، بل هي إعلان استراتيجي يضع خطوطاً حمراء أمام أي محاولة للمساس بسيادة الأردن أو مقدراته، مؤكداً أن الدولة التي تتمسك بالدبلوماسية والسلام لا يمكن أبداً أن تُفسر مرونتها على أنها ضعف أو غفلة عن حماية حدودها ومصالحها العليا. إن لغة الحزم الملكي هذه تعكس يقيناً راسخاً بأن الأردن القوي بجيشه، ووعي شعبه، وثبات قيادته، جاهز لكل الاحتمالات ولن يشيح بنظره عن حماية سيادته ومقدراته، وهو يملك شجاعة الردع وحماية الوطن بكل ما أوتيّت الدولة من قوة.
إلى جانب ذلك، يظل الأردن الحصن المنيع للقضية الفلسطينية وصوتها العالي في كل محفل، متمسكاً بالوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومدافعاً شرساً عن حقوق الأشقاء في إقامة دولتهم المستقلة، وعن حق وكالة الأونروا في الاستمرار بأداء رسالتها الإنسانية رغم كل مؤامرات التقويض والتصفية.
إن خطاب الملك عبد الله الثاني يكتب بمداد من ثبات ومواقف لا تحيد عن بوصلتها؛ فهو يذكر العالم بأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، وأن المستقبل الحقيقي لا يصنعه الضعفاء بل الأحرار الذين يملكون قول كلمة الحق في وجه طغيان القوة واستبداد المصالح.