عندما تكثر الإجابات .. من يختار لنا؟
أ.د. علي حياصات
28-09-2026 05:16 PM
كتبت خلال السنوات الماضية، على صفحتي الشخصية، أسئلة كثيرة ومتفرقة عن الدين والمجتمع والموروث، لكنني لم أحاول جمعها في مقالات على شكل اجابات. ربما لأن الحديث في قضايا كهذه عندنا حساس، فما إن تسأل حتى يظن بعضهم أنك تعترض، وما إن تناقش فكرة موروثة حتى يفهم آخر أنك تناقش الدين نفسه.
لكنني بدأت أرى، بعد كل هذه الأسئلة، خيطًا واحدًا يجمعها، وأعتقد أنه يستحق أن نتوقف عنده.
لم تعد مشكلتنا اليوم في العثور على الإجابة. في هواتفنا إجابات أكثر مما نحتاج. إطرح سؤالًا دينيًا أو اجتماعيًا واحدًا، وستجد آراء وفتاوى ومقاطع وتفسيرات مختلفة، وقد تسأل الذكاء الاصطناعي أيضًا، فيضع أمامك خلال ثوانٍ ما كان يحتاج سابقًا إلى بحث طويل وجهد أكبر.
لكن الغريب أن كثرة الإجابات لم تجعل الاختيار أسهل. بالعكس، ربما جعلته أصعب.
تسأل عن مسألة دينية، فيقول شيخ: حرام. ويقول آخر: جائز بشروط. وثالث له رأي مختلف قليلًا. والمشكلة أن النص الذي ينطلقون منه واحدًا.
ماذا تفعل أنت؟ أي إجابة تختار؟ ولماذا؟
هل لأنها أقنعتك؟ أم لأنك تثق بقائلها؟ أم لأنه ينتمي إلى المرجعية التي نشأت عليها؟ وربما، وهذا وارد أيضًا، لأنها الأقرب إلى الإجابة التي كنت تريد سماعها أصلًا.
حتى عندما أقول: «أنا لا أعرف، وسأتبع الشيخ فلانًا»، لم أتخلص تمامًا من الاختيار. فأنا الذي اخترت الشيخ فلانًا دون غيره.
وهنا تبدأ، في رأيي، مسؤولية الاختيار.
لا يعني ذلك أن نستغني عن علماء الفقه والدين، ولا أن يصبح كل واحد منا مفتيًا لنفسه. نحن نحتاج إلى أهل الاختصاص، لكن الرجوع إلى المرجعية لا يمنعني من أن أسأل نفسي: لماذا أثق بهذه المرجعية تحديدًا؟
وما جعلني أكتب هذا المقال اليوم أن شيئًا آخر يحدث أمامنا تمامًا.
فالذكاء الاصطناعي لم يقدم للناس إجابات جديدة فقط، بل وفر لهم مكانًا مختلفًا للسؤال. هناك أسئلة دينية واجتماعية وشخصية قد يتردد الإنسان في طرحها على أسرته أو شيخه أو حتى أصدقائه، خوفًا من سوء الفهم أو الحكم عليه. فيجلس وحده أمام هاتفه ويسأل آلة عن أشياء ربما لم يجرؤ على سؤال أي إنسان عنها.
وهذا، بصراحة، يستحق التفكير.
كيف وصلنا إلى أن نثق بآلة فنخبرها بما نتردد في قوله لأقرب الناس إلينا؟
لا أعرف إن كانت المشكلة في الثقة أصلًا، لكنني أعرف أن حين يخشى الإنسان أن يسأل إنسانًا، ولا يخشى أن يسأل آلة، فالمشكلة ليست دائمًا في السؤال، بل ربما في المساحة التي تركناها للسؤال.
ومن هنا أعود إلى سؤال يشغلني منذ مدة: هل نعرف فعلًا لماذا نعتقد ما نعتقد؟
أحيانًا أفكر في الأمر بطريقة أبسط. لو أنني ولدت في أسرة أخرى، أو بلد آخر، أو نشأت على مذهب مختلف، فهل كنت سأحمل الأفكار نفسها التي أحملها اليوم؟
لا أعرف، ولا أظن أن أحدًا يستطيع أن يعرف على وجه اليقين. لكن السؤال وحده يجعلني أقل اطمئنانًا إلى أن كل ما أحمله من أفكار كان نتيجة اختياري وحدي.
وهذا لا يعني أن ما ورثناه خطأ. فقد يكون صحيحًا وحكيمًا وجميلًا. لكن هناك فرقًا بين فكرة فكرت فيها ثم اقتنعت بها، وفكرة لم أفكر فيها أصلًا لأنني وجدتها جاهزة حين فتحت عيني على الحياة.
وهنا، ربما، أصل إلى ما أردت قوله من هذا المقال كله.
لم تعد مشكلتنا أن نجد من يجيب عن أسئلتنا ، فالإجابات تحاصرنا من كل مكان، من العالم والكتاب والإنترنت وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي. المشكلة الأصعب هي أن نعرف لماذا نطمئن إلى إجابة دون أخرى. فنحن لا نختار دائمًا من نقطة الصفر، هناك أسرة ومجتمع ومذهب وتعليم وتجارب سبقت اختيارنا وأسهمت في تشكيله. لكن معرفتنا بذلك لا تعفينا من المسؤولية، بل ربما تجعلها أكبر.
ولست أدعو إلى رفض ما ورثناه، ولا إلى الشك في كل شيء. كل ما أدعو إليه هو أن نمتلك شجاعة السؤال: لماذا أؤمن بهذا؟ ولماذا أثق بهذه المرجعية؟ ولماذا اخترت هذه الإجابة دون غيرها؟
ربما لا نختار كل ما يصل إلينا، لكننا نستطيع، على الأقل، أن نفكر فيما نقرر أن يبقى معنا.