محمد العبادي .. الدموع لا تذرف إلا على كبير
أحمد الحوراني
28-09-2026 06:11 PM
تعرفت إلى المرحوم اللواء الركن محمد موسى العبادي في أيلول من العام ألفين وتسعة عشر، وأكرم وفادتي إليه باستقبال حسن وحفاوة بالغة، تنم عن شخصيته الوطنية الأردنية التي تترجم مضامينها أعمق المعاني المترعة بصدق الانتماء للعرش والهوية، وعلى امتداد ساعات ثلاث في منزله الأنيق، عرفت أنني أمام ضابط عسكري متميز، ينتمي إلى جيل الكبار الكبار ويمتثل أخلاق الهاشميين في النبل والرقي وسعة الأفق والانتماء للوطن والعمل المتقن، وهو فوق كل هذا وذاك كان رجلًا شجاعًا وصاحب حجة ورأي وعاش ومات وهو غارق في الإخلاص للوطن والولاء لقيادتنا التي تعملنا منها كل موجبات المروءة والشرف.
يوم أمس رحل أبا زيد واصطفاه الله إلى جواره، تاركًا ورائه سيرة عزّ نظيرها، قوامها نشأته الأبية على الشهامة والعنفوان ونصرة الحق وعلى أكتاف العصامية والاصرار والشكيمة التي تأنف الظلم وتأبى قبول الاقتراب من هيبة الدولة وشوكتها؛ ورغم غضباته المشهود لها والتصدي لكل ما كان يمكن أن يعكر صفو الوطن كان رحمه الله صوتًا مقتصدًا وقورًا، يعكس نقاء السجية الأردنية العفوية التي ألفناها منذ أبصرنا النور في هذه الدنيا.
أبو زيد المولود في قرية عيرا سنة 1949 والمتوفي يوم أمس عن سبعة وسبعين عامًا، أمضى أربعة وثلاثين عامًا من حياته جنديًا مخلصًا صادق العهد في خدمة الوطن والمليك عبر نافذة القوات المسلحة الأردنية وتحديدًا للفترة بين الأول من تشرين الأول 1966 حتى التاسع من كانون الأول لعام 2000 امتلك خلالها السرج بفروسيته وشجاعته ووطنيته وترك الخرج للذين يبحثون عن متاع الدنيا الزائل، فنال في حياته الحسنيين السمعة والمكانة، والبصمات اللافتة التي خلفها في كل موقع أُسندت إليه مهمة قيادته ليبلي فيه بلاء حسنًا سيبقى الناس يستذكرونه به ما دام في الحياة رمق.
يرحل العبادي إلى الدار الآخرة، فتقز إلى الذاكرة سنوات خدمته المشرفة التي بدأها منذ قبوله تلميذا عسكريا في دورة الضباط السابعة إلى التحاقه في السلاح المدرع الملكي " المحطة الأولى في مسيرته" ومن ثم التحاقه بكتيبة الدبابات العاشرة في مثلث العارضة في الأغوار في بداية العام 1969، حتى الأول من كانون الثاني من العام 1971 عندما أُرسل لدورة مدربين على دبابة م 60 إلى مدرسة دروع في ولاية كنتاكي في الولايات المتحدة، التي عاد إليها سنة 1972 في دورة ضباط استخبارات قبل أن يعود ثانية إلى الوحدات المدرعة كقائد سرية دبابات، حتى العام 1978 إذ التحق بكلية الأركان الأردنية بكلية الأركان الأمريكية في كانساس سنة 1979، ليمضي بعد ذلك وخلال الفترة بين 1980-1982 بالعمل معلماً في كلية الأركان وقام بتدريس كافة المناهج المقررة في الكلية.
تخلل ذلك عمله سكرتيراً عسكرياً لسمو الأمير الحسن، وتحديداً حتى مطلع العام 1984 حيث تسلم كتيبة الدبابات الثالثة الملكية" أم الدروع" وكانت تلك من المراحل الهامة في حياته كضابط عسكري، حقق خلالها إنجازات وأصبحت الكتيبة مشهود لها بانضباطها وعملها وتميز منتسبيها، ثم توالت المواقع التي خدم فيها ومنها عمله ممثلاً لسلاح الدروع في مكتب المفتش العام بالقيادة العامة للقوات المسلحة، ثم رئيساً لشعبة تعليم في كلية القيادة والأركان، ورئيس معلمين بالإنابة، ورئيس شعبة العمليات في الفرقة المدرعة الثالثة الملكية، كما اجتاز وخلال الفترة الزمنية 1989-1990 دورة إدارة الموارد الدفاعية في مونتري في كاليفورنيا وأمضى فيها مدة ثلاثة أشهر ونصف.
في العاشر من آب من العام 1990 عُيّن قائدًا للواء المدرع "40" وكان من أكثر المراحل المهمة في مسيرته لأنه تسلم المنصب في فترة زمنية كانت حبلى بالأحداث والتطورات السياسية على الساحتين العربية والدولية بعد احتلال العراق للكويت في العام 1990 وهناك أثبت مقدرة وكفاءة وخبرة عسكرية متميزة تمكن من خلالها بالنهوض بكافة الواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتق هذا اللواء المميز الذي يتطلب من قائده المحافظة على مستواه وسمعته العريقة، ومن اللواء المدرع 40 تم تنسيبه بدورة حرب انتهى منها في نهاية العام 1993 حصل فيها على المركز الأول ثم تم تعيينه موجهاً في كلية الحرب الملكية وفي العام 1994 تم إيفاده إلى جامعة الدفاع الوطني في واشنطن وهناك حصل على درجة الماجستير في إدارة إستراتيجية المصادر الوطنية سنة 1995، فاكتسب آنذاك المزيد من الخبرات العلمية والاجتماعية حيث تعرف إلى الكثير من الأصدقاء في الولايات المتحدة.
بعد عودته من الولايات المتحدة عمل اللواء محمد العبادي رئيس هيئة توجيه في كلية الحرب الملكية لمدة عامين ومن ثم عُيّن ملحقاً عسكرياً في موسكو، واستمر حتى العام 1999 بعد تسلم جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية وفي موسكو قام اللواء العبادي بواجباته ومسؤولياته خاصة في إطارها العسكري على أتم وجه، حيث تولى مهمة تنسيق الجهود والوفود العسكرية وتفعيل مجالات التعاون العسكري بين القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ووزارة الدفاع الروسية، ورغم أن فترة عمله كانت ثرية وزاخرة بالمنجزات وكان راضياً عنها كامل الرضى، وفي موسكو تم استدعاءه وتعيينه قائداً للفرقة المدرعة /3 الملكية من آب 1999 واستمر في الخدمة حتى التاسع من كانون الأول من العام 2000، وأحيل للتقاعد.
عاش ابو زيد راضيا مرضيا ولسوف تبقى سيرته حاضرة فينا ما حيينا