facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المراوحة بين البلشفية والبراغماتية


محمد نور الدباس
01-10-2026 11:45 AM

في السياسة، لا شيء أكثر خطورة من أن تمتلك خطابًا ثوريًا وعقلًا براغماتيًا، ثم تستخدم كل واحد منهما في اللحظة التي تخدم مصالحك، فحين تكون الجماهير بحاجة إلى الحماس، تُرفع رايات المبادئ، وحين تأتي لحظة الحساب تُفتح دفاتر المصالح، وحين تتعارض الشعارات مع الواقع يبدأ البحث عن تبريرات سياسية جديدة.

هذه هي المراوحة بين البلشفية والبراغماتية؛ بين خطاب يريد تغيير العالم دفعة واحدة، وواقع لا يسمح بتغييره إلا بالتدرج، وبين مواقف تُقدَّم باعتبارها ثوابت لا تقبل النقاش، وسياسات تتغير كلما تغيرت موازين القوى.

والمقصود بالبلشفية هنا ليس توصيفًا تاريخيًا للتيار البلشفي بقدر ما هو توصيف لعقلية سياسية ترى العالم من خلال الصدام (نحن في مواجهة الآخر، والموقف الصحيح هو الأكثر تشددًا، والتنازل ضعف، والتسوية خيانة، والاختلاف خروج عن الصف).

أما البراغماتية، في صورتها السياسية، فهي الاعتراف بأن السياسة فن الممكن، وأن الدول والحركات لا تعيش في عالم الشعارات، بل في عالم المصالح وموازين القوة والقدرة على المناورة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول البراغماتية من واقعية سياسية إلى انتهازية سياسية، فالسياسي البراغماتي الحقيقي لا يتخلى عن مبادئه، وإنما يغير أدواته لتحقيقها. أما الانتهازي فيغير مبادئه كلما تغيرت مصلحته.

وهنا تكمن المفارقة، فقد نرى خطابًا سياسيًا يرفض الاعتراف بالواقع، ويقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع تاريخي لا يقبل المساومة، ثم نجده في الغرف المغلقة شديد الواقعية، يعقد التفاهمات، ويتفاوض مع الخصوم، ويقبل بما كان يصفه بالأمس بأنه تنازل لا يُغتفر.

ولا تكمن المشكلة في التفاوض ذاته؛ فالتفاوض ليس عيبًا، والتسوية ليست خيانة بالضرورة، والواقعية ليست ضعفًا، المشكلة في أن يقال للناس شيء، ويُفعل شيء آخر، ثم يُطلب من الجمهور أن يصدق أن التناقض هو جزء من "الحكمة السياسية".

وعندما تصبح الأيديولوجيا أداة؛ فيمكن أن تكون وسيلة لبناء الوعي وتحديد الاتجاه، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى أداة لتعبئة الجماهير وإلغاء التفكير النقدي، ذلك لأن العقلية الأيديولوجية الصلبة تحتاج دائمًا إلى خصم، وإذا لم تجد خصمًا حقيقيًا، صنعت خصمًا سياسيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، لأن وجود «العدو» يساعدها على الحفاظ على تماسك الجماعة.

وهكذا يصبح السؤال: ماذا نريد أن نحقق؟ أقل أهمية من السؤال: من نواجه؟ وهذه واحدة من أخطر لحظات السياسة؛ حين يتحول الصراع من وسيلة لتحقيق هدف إلى هدف بحد ذاته، فقد تبدأ الحركة السياسية بمشروع للتحرر أو الإصلاح أو العدالة، ثم تجد نفسها بعد سنوات أسيرة للخطاب الذي أنتجته في بداياتها، يصبح الحفاظ على صورة «المقاوم» أو «الثوري» أهم من تحقيق النتائج التي قامت من أجلها الحركة أصلًا.

فمتى تنتصر الشعارات على السياسة؟ فالبراغماتية ليست عدوًا للمبادئ، وفي المقابل، ليست البراغماتية السياسية جريمة، فالدولة التي تدير علاقاتها الدولية وفق مصالحها، وتوازن بين المخاطر والفرص، وتبحث عن التحالفات الممكنة، ليست بالضرورة دولة بلا مبادئ، بل إن السياسة الواقعية قد تكون أحيانًا الطريق الوحيد لحماية المبادئ، والمشكلة تبدأ حينما يصبح المبدأ قابلًا للبيع والشراء، فإذا كان الموقف السياسي يتغير فقط لأن الحليف تغير، أو لأن التمويل تغير، أو لأن موازين القوة تغيرت، أو لأن كلفة الموقف أصبحت مرتفعة، فنحن لا نتحدث عن براغماتية، وإنما عن انتهازية سياسية ترتدي ثوب الواقعية.

موسكو وواشنطن مثالاً، وبين الشعارات والمصالح؛ فالتاريخ السياسي الحديث مليء بأمثلة على هذا التناقض، فالقوى الكبرى نفسها لم تكن دائمًا أسيرة لأيديولوجياتها، ففي ذروة الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يتنافسان على النفوذ العالمي، لكنهما في الوقت نفسه كانا يعرفان متى يتفاوضان، ومتى يتراجعان، ومتى يقدمان تنازلات لتجنب مواجهة أكبر، حتى أكثر الأنظمة ثورية في خطابها اضطرت في لحظات معينة إلى التعامل مع الواقع الاقتصادي والسياسي والعسكري كما هو، لا كما ينبغي أن يكون وفق كتب الأيديولوجيا.

وهذا يقودنا إلى حقيقة سياسية بسيطة تتمثل في أنه لا توجد دولة عظمى تدير سياستها الخارجية بالأخلاق وحدها، ولا توجد دولة عاقلة تديرها بالمصلحة وحدها، فالدول الناجحة هي التي تعرف أين تضع مصالحها، وأين تحمي مبادئها، وأين تفاوض، وأين ترفض، وأين تتراجع تكتيكيًا دون أن تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية.

وأخطر شيء ممكن أن تفقد البوصلة، فالمشكلة الحقيقية ليست في المراوحة بين الأيديولوجيا والواقعية، وإنما في أن تتحول المراوحة إلى سياسة دائمة بلا بوصلة، أي أن يكون الخطاب متشددًا عندما تكون الجماهير بحاجة إلى الحشد، ومرنًا عندما تتطلب المصالح ذلك، ثم يعود متشددًا عندما تتغير الظروف، في هذه الحالة لا يعود لدينا مشروع سياسي، بل إدارة يومية للمواقف.

والفرق كبير بين السياسة التي تتكيف مع الظروف، والسياسة التي لا تملك موقفًا أصلًا، فالاستراتيجية الحقيقية لا تعني الجمود، بل تعني امتلاك هدف ثابت مع القدرة على تغيير الوسائل، أما الجمود فهو أن تتمسك بالوسيلة حتى بعد أن تصبح عاجزة عن تحقيق الهدف، والانتهازية هي أن تتخلى عن الهدف بمجرد أن تصبح الوسيلة مكلفة.

وبالنظر إلى السياسة بين المبدأ والمصلحة، فربما لا يكون السؤال الأهم هو "هل نحن مع الأيديولوجيا أم مع البراغماتية؟" بل السؤال الصحيح هو "ما الذي لا يمكن التنازل عنه؟ وما الذي يمكن التفاوض عليه؟" والدولة أو الحركة السياسية التي تستطيع الإجابة عن هذا السؤال تمتلك استراتيجية، أما التي تعتبر كل شيء مبدأً مقدسًا، فهي عاجزة عن التفاوض، والتي تعتبر كل شيء قابلًا للتفاوض، فهي عاجزة عن امتلاك المبادئ.

وبين هذين الطرفين توجد السياسة الحقيقية؛ فالسياسة ليست فن رفع الشعارات، وإنما فن تحديد الأولويات، وليست البطولة في رفض كل تسوية، كما أن الحكمة ليست في قبول كل تسوية، وعلى البطولة أن تعرف أي تسوية تحفظ الهدف، وأي تنازل يهدمه.

خلاصة القول، إن المراوحة بين البلشفية والبراغماتية قد تكون أحيانًا ضرورة سياسية، لكنها تصبح خطرًا عندما تتحول إلى ازدواجية في الخطاب والممارسة، فالسياسة تحتاج إلى واقعية، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى بوصلة، وتحتاج إلى المرونة، لكن المرونة بلا حدود تتحول إلى انحناء، وتحتاج إلى المبادئ، لكن المبادئ بلا عقل سياسي قد تتحول إلى جمود، ولهذا فإن أفضل صيغة سياسية ليست أن نختار بين المبدأ والواقعية، بل أن نجعل الواقعية خادمة للمبدأ، لا بديلًا عنه؛ وأن نجعل التفاوض وسيلة لحماية المصالح، لا وسيلة لبيعها؛ وأن ندرك أن تغيير التكتيك ليس خيانة للاستراتيجية، كما أن التمسك بالشعار ليس دليلًا على امتلاك مشروع، وفي النهاية، نقول إن السياسة التي لا تعرف ماذا تريد، ستظل تتأرجح بين البلشفية والبراغماتية؛ ترفع راية الثورة في العلن، وتفتح دفتر المصالح في الخفاء، حتى يأتي يوم لا يصدق فيه الناس لا الشعارات ولا الحسابات، وهنا تبدأ أخطر أزمات السياسة (حين تفقد الكلمات قيمتها، والمواقف معناها، والثقة أساسها).





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :