facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عصام سلفيتي .. البقاء من نصيب الكبار


أحمد الحوراني
01-10-2026 03:56 PM

ذات يوم حدّثني عصام سلفيتي رحمه الله وقال: يا بُنيّ اجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين غيرك، فأحبّ لغيرك ما تُحب لنفسك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وعوّدها أن تتصبّر على المكروه"، وعندئذ عرفت أنني أمام رجل مدرسة تعلم من أثقال جلائل الأعمال والتجارب، وكان جادًّا بل ومصرًا على تهذيب سريرته الإنسانية النقية، فهذَّبها فاستنارتْ فاستقامَ أمرُها، فكان كالشمس له منها نورها وجمالها، ولكن ليس له منها حرارتها ولذعاتها.

منذ تناهى لي نبأ وفاة عصام وأنا بين مصدق للخبر ومكذب، ذلك أنه من الصعوبة بمكان على النفس البشرية أن تتقبل فكرة غياب الكبار عن المشهد، ولعل ما يُسرّي من وطأة الألم أن الموت عندما ينال من رجل بحجم عصم، إنما هو يحجبه عن البصر فيخرجه من الحياة لكنه قطعًا لا يسحبه من قلوب الناس وعقولهم بقدر ما تبقى صورته عالقة في الأفئدة ومطبوعة في الوجدان، وعصام سلفيتي كان قلبًا وعقلًا فذًّا تميز طيلة سنوات كفاحه بوضوح الرؤية والقدرة على تحديد الأهداف، وهما صفتان أساسيتان لا بد ان تتوفرا في الإداري الناجح في كل المواقع وكل ذلك قد جعله يصيب النجاح مرتين الاولى في حسن أداء العمل وتحقيق أهدافه، والثانية في كسب احترام وتقدير العاملين معه وحفزهم على القيام بواجباتهم بأحسن صورة ممكنة.

عرفت الفقيد أبا باسم في العام الفين وثمانية عشر عقب وفاة صديق عمره الدكتور ظافر كيالي المتوفي في الرابع والعشرين من أيلول، وتشاء الأقدار أن يلحق بصاحبه في نفس الشهر وبفارق يومين فقط، ومنذ اللحظة التي عرف أنني جئت إليه أسأله عن أبي نديم، حتى اغرورقت عيناه بالدموع فقال لي "إيش أكتب عن ظافر" وراح يبكي، وهكذا أصبحت اللقاءات بيننا مستمرة، فكنت أنهل من معين خبراته وأسعد بحديثه عن ذكرياته لا سيما إبّان دراسته في بيروت العربية، وكان دائمًا يبتسم وعلى الأخص عندما يستذكر فريد الأطرش مطربه المفضل.

إن التوازن في الشخصية والتنوع في المعارف الثقافية، ميزتان نفتقدهما في أناس كثيرين، لكنني رأيتهما ميزتان أساسيتان في شخصية عصام سلفيتي، فهو رجل تعليم، ورجل مال واقتصاد، ورجل إدارة، ودبلوماسي رفيع، لا يحتاج إلى جهد كبير كي يفوز بثقة من يتعاملون معه كي يحظى بمحبتهم، فكان دائمًا يمثل عمق المعرفة وصفاء المنطق وحصانة الحق، ففرض لنفسه التقدير والاحترام، وظل محتفظًا لنفسه بمُثُله ومبادئه وقناعاته، وهدوئه وزد على ذلك تواضعه الجم الذي قام بتفسيره لي في إحدى لقاءاتي به عندما حدثني وقال: يا "حوراني" في الأردن لا يوجد ولا يجب أن يكون هناك طبقة "أرستقراط" فكلنا إخوة وأسرة متماسكة الغني منا يقدم للمحتاج ما يقيم أود حياته حتى تستقيم ويعيش بكرامة، فلله درّك من إنسان.

غادر عصام سلفيتي الحياة وهو في سن الشيخوخة ولكنه في عز العطاء ونضج التجربة، ورجاحة الرأي، وديمقراطية الفكر، إذ لم يكن متعصبًا ولا منغلقًا بل كان منفتحًا على الأفكار والاتجاهات الأخرى مع شدة وثوقه برأيه واحترامه لفكره معتقداته، كما كان هادئًا لا يثيره أو "ينرفزه" الرأي الآخر، وهكذا فإننا إذا أردنا إنصاف الرجل وجب علينا القول أنه كان لكل وطنه ومجتمعه ولم يكن طائفيًا ولا إقليميًا بل كان أردنيًا وعربيًا وإنسانًا، والعزاء الوحيد أمام مصاب رحيله الجلل أن عصام نموذج من الرجال القدوة للأجيال الطموحة ولقد كنت شاهدًا على حجم دعمه الذي لم ينضب لكل صاحب فكرة خلّاقة أو مشروع ريادي.

رحم الله عصام سلفيتي الإنسان الذي غادر الدُّنيا بسيرة وسريرة تُعانق طهر القمح، وقدَّم للوطن رحيق الشَّهد من عرق الجبين.

رحم الله عصام الذي أبكيه اليوم بكل أحرف الوجع، ومعاني الورع في رحيله المهيب عن فناء الدُّنيا إلى سعة الآخرة.

رحم الله عصام الذي اختار التَّواضع نهجاً فأكرمه الله بمحبة النَّاس وامتنانهم وتقديريهم.

فيا أيها القارئ.. كن أحرص الناس على وطنيتك، ولا تبغِ بها بدلًا من عرض الدنيا وزخرفها، فإنك إن فعلت كنت عصام سلفيتي.

ويا أيها الإنسان، أقدم على عظائم الأمور ولا تلتفت يمنةً ولا يسرة، واخترق بسيف شجاعتك صفوف المعترضين والمنتقدين والمتهكمين، فإنهم سيعترفون بفضلك ويُسَمُّونك عظيمًا، كما كان عصام سلفيتي.

مات عصام سلفيتي فعرفنا الموت، وما كنا نعرفه قبل ذلك؛ لأننا ما كنا نرى إلا أمواتًا يُنْقَلُونَ من ظهر الأرض إلى باطنها، أمَّا أبا باسم فكان حيًّا حياةً حقيقية، وكان موته كذلك، وجعل الأحياء يشعرون بأن تربة الأردن لا تختلف كثيرًا عن أي تربة في العالم وأنها قادرة على أن تُنبت أمثال فولتير وهوجو وغاريبالدي وواشنطون، وسواهم.

رحم الله عصام سلفيتي، ابن الأردن والعروبة الذي سار على الأرض نيّف و ثمانين عامًا سلوكا ناطقًا وموقفًا صادقًا ومبادئ صلبة لا تتزعزع أمام العواصف الهوجاء العاتية والأمواج المتلاطمة العالية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :