facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد


كابتن أسامة شقمان
02-10-2026 09:28 AM

هناك كتب تنتمي إلى زمنها، وكتب تتجاوز زمنها لأنها لا تكتفي بوصف حدث سياسي عابر، بل تنفذ إلى ما هو أعمق. إلى النفس البشرية حين تخاف وإلى المجتمع حين يعتاد الخوف وإلى السلطة حين تنسى أنها وسيلة فتتصرف كأنها غاية. ومن هذه الكتب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي، المفكر السوري المولود في حلب سنة 1855، يوم كانت المدينة جزءًا من الدولة العثمانية، نشر الكواكبي أفكار هذا الكتاب أولًا في سلسلة مقالات صحفية، ثم جُمعت لاحقًا في كتاب، وتشير طبعة مؤسسة هنداوي إلى أن الكتاب صدر سنة 1921، أي بعد وفاة الكواكبي سنة 1902، بينما كانت مادته قد ظهرت في الصحافة قبل ذلك بسنوات.

ما شدني في الكتاب أن الكواكبي لم يعامل الاستبداد كصفة تخص حاكمًا بعينه، بل كحالة تمتد آثارها من السياسة إلى التعليم والدين والاقتصاد والأخلاق والتربية، فهو يفتتح بالسؤال عن ماهية الاستبداد ثم يتتبع آثاره في المجتمع وينتهي إلى التفكير في سبل الخلاص منه، وهذه البنية تجعل الكتاب أقرب إلى تشريح مرض منه إلى مجرد خطاب احتجاجي. وهنا تبدأ الفكرة التي أجدها أكثر إزعاجًا من أي وصف سياسي مباشر. أن الاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش أيضًا في النفوس التي تتكيف معه.

فالإنسان قد يُجبر على الصمت مرة، لكنه إذا اعتاد الصمت طويلًا ربما يبدأ في مراقبة نفسه قبل أن يراقبه أحد وقد يُمنع من السؤال مرة لكنه إذا تعلم أن السؤال خطر فقد يصل إلى يوم لا يعود فيه محتاجًا إلى من يمنعه لأنه يكون قد وضع الحارس داخل رأسه. وهنا يتحول الاستبداد من سلطة خارجية إلى عادة داخلية.

لقد علمتني الطائرات شيئًا قريبًا من هذا ولكن في الاتجاه المعاكس. في قمرة القيادة توجد سلطة للقانون والإجراء والتعليمات لكنها لا تُطلب لذاتها. الغاية منها حماية الأرواح والطيار لا يطيع الإجراء لأنه يخاف من السؤال، بل لأنه يفهم لماذا وُضع وإذا ظهر خلل في قراءة أو تعارضت المعطيات فالمطلوب ليس الطاعة العمياء بل التحقق والمقارنة والتفكير.

الفرق كبير بين الانضباط والاستبداد. الانضباط يقول لك. افهم ثم التزم. أما الاستبداد فيقول. التزم ولا تسأل.

وفي عام 2026 لم تعد المسألة مجرد علاقة بين حاكم ومحكوم، نحن نعيش في عالم أصبحت فيه المعلومة قوة والصورة قوة والخوارزمية قوة والرواية التي تنتشر أسرع قد تسبق الرواية الأدق، هنا يصبح سؤال الكواكبي أكثر تعقيدًا. هل يمكن أن يمارس الإنسان على نفسه نوعًا من الاستبداد حين يرفض سماع ما يخالفه ؟ وهل يمكن أن تتحول الجماعة إلى سلطة حين تجعل الخروج عن رأيها نوعًا من الخيانة الاجتماعية؟ من السهل أن ننتقد الاستبداد حين يأتي من فوق، الأصعب أن نراه حين يسكن داخل العلاقات اليومية.

قد يبدأ في بيت لا يسمح فيه الأب لأحد أن يخالفه وفي مدرسة ترى السؤال وقاحة وفي مؤسسة لا تحتمل النقد وفي جماعة تعتبر الاختلاف خروجًا على الولاء، حينها يصبح الاستبداد ثقافة قبل أن يكون نظامًا. وهذا ما يجعل الكتاب أكبر من زمنه.

لقد كان الكواكبي يربط الاستبداد بتعطيل العلم والمشاركة وبفساد التربية والأخلاق وهذا الربط مهم لأن المجتمع الذي يخاف من السؤال يفقد بالتدريج قدرته على تصحيح نفسه والمجتمع الذي يساوي بين الاستقرار والصمت قد يظن أنه آمن، بينما تكون الأخطاء فيه تتراكم من غير أن تجد من يسميها.

في الطيران، لا تُعد قمرة القيادة آمنة لأن القبطان لا يُعارَض، بل على العكس، ثقافة السلامة الحديثة تقوم على أن يقول مساعد الطيار رأيه وأن تُراجع القرارات وأن يظهر الإنذار ولا يُخفى وأن يُعترف بالخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة. وهنا أجد واحدة من أعمق المقارنات بين الطيران والمجتمع. النظام القوي ليس الذي يمنع ظهور الخطأ، بل الذي يسمح بكشفه وتصحيحه. أما النظام الذي يخاف من السؤال فهو يشبه طائرة أُسكتت فيها أجهزة التحذير حتى لا تزعج القبطان، قد يستمر الطيران لبعض الوقت، لكن الصمت لا يعني السلامة.

وفي 2026 حيث تصل المعلومة في لحظات، قد يبدو الإنسان أكثر حرية لأنه يستطيع الكلام والنشر والتعليق، لكن الحرية الحقيقية ليست في كثرة المنصات، بل في بقاء القدرة على التفكير المستقل وعلى التمييز بين الخوف والاحترام وبين الطاعة والانضباط وبين الولاء وإلغاء العقل.

الموعظة

خرجت من "طبائع الاستبداد" بفكرة أبعد من السياسة. أن الاستبداد لا يبدأ دائمًا من قصر كبير، بل قد يبدأ من إنسان صغير يرفض أن يسمع غير نفسه. ويكبر حين يصير الخوف فضيلة والصمت حكمة والسؤال تهديدًا.

لقد علمتني السماء أن أخطر شيء في الطائرة ليس صوت الإنذار، بل تعطيله. وكذلك المجتمعات. الصوت الذي يعترض ليس دائمًا عدوًا وقد يكون في لحظة ما آخر جهاز تحذير ما زال يعمل.

وحين يصبح السؤال جريمة لا تعود المشكلة في أن الحقيقة ممنوعة فقط، بل في أن الناس يتعلمون كيف يعيشون من دونها وعندئذ لا يحتاج الاستبداد إلى أن يرفع صوته، يكفي أن يخفض المجتمع صوته بنفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :