الشرق الاوسط … .. إلى أين ؟؟
أ. د. عبدالسلام النابلسي
02-10-2026 12:56 PM
في عام 2022 كتبتُ مقالاً بعنوان "القادم أعظم"، حذّرتُ فيه من أن الحرب الروسية الأوكرانية ستفتح الباب أمام أزمة غذاء عالمية خانقة، عبر تعطّل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة. اليوم، وبعد سنوات، أجد نفسي مضطراً لطرح السؤال ذاته من جديد، لكن هذه المرة على وقع نيران مشتعلة في أكثر من جبهة في منطقتنا نحن، الشرق الأوسط.
فالمنطقة اليوم تغلي على أكثر من جبهة في آن واحد. ففي غزة، لا يزال وقف إطلاق النار هشّاً، تخرقه الانتهاكات شبه اليومية وسقوط الضحايا والقصف المتكرر، فيما تبقى جرائم الحرب هناك بلا محاسبة حقيقية. وفي الجبهة الأخرى، تتصاعد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة منذ أواخر فبراير الماضي، وما زال خطر التصعيد قائماً دون أفق واضح لنهايتها. وفي اليمن، يهدد التوتر بين الحوثيين والتحالف المقابل بإغلاق كامل للبحر الأحمر ومضيق باب المندب. وفي الشمال، تتجدد الضربات الإسرائيلية على جنوب لبنان وجنوب سوريا بين الحين والآخر.
وفي قلب هذه الجبهات المتعددة، تقف المملكة الأردنية الهاشمية في موقع بالغ الحساسية والخطورة. فبالإضافة إلى ما تتحمله من أعباء اقتصادية وأمنية جراء الاضطراب الإقليمي المحيط بها، تبقى مخاوف التهجير القسري من الضفة الغربية خطاً أحمر وجودياً بالنسبة لها، كما أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني مراراً. فالأردن يجد نفسه اليوم بين مطرقة عدم الاستقرار الإقليمي وسندان الضغوط الإسرائيلية المتعلقة بالتهجير.
وإذا ما انتقلنا إلى الأثر الاقتصادي والغذائي لكل هذا، نجد أن الصورة أقرب ما تكون لما عشناه إبان الحرب الروسية الأوكرانية، بل وأشد خطورة في بعض جوانبها.
أولاً: إغلاق مضيق هرمز، وهو أمر واقع منذ أواخر فبراير الماضي، أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز والمواد الكيماوية، وبدأت أوروبا تعاني من شح في الديزل ووقود الطائرات قبيل دخول شتاء قاسٍ.
ثانياً: البحر الأحمر ومضيق باب المندب يواجهان خطر توتر الحوثيين مع التحالف المقابل، وإغلاقه الكامل سيكون أثره على الموانئ العربية أكثر مباشرة بكثير من أثر إغلاق البحر الأسود في الأزمة السابقة.
ثالثاً: الدول العربية المعتمدة على الاستيراد تواجه ارتفاعاً في تكاليف الشحن والتأمين بسبب مخاطر الحرب، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في دول المنشأ ذات الصناعات المعتمدة على الطاقة، في وقت أجبر فيه إغلاق هرمز على الاعتماد شبه الكامل على موانئ البحر الأحمر كمنفذ شبه وحيد لدول الخليج، وإغلاق باب المندب أيضاً سيكون كارثياً على اقتصادات المنطقة.
رابعاً: مصانع الأسمدة والبتروكيماويات في الخليج وإيران باتت مهددة بالتوقف المباشر، لا بالتأثر غير المباشر كما حدث مع الغاز الروسي سابقاً، مع ارتفاع تكاليف المدخلات والشحن، وبما أن دول الخليج، وخصوصاً السعودية وأرامكو تحديداً، من أهم مصادر الأسمدة والكيماويات عالمياً، فإن أسعار المحاصيل سترتفع عالمياً أيضاً.
خامساً: عدم الاستقرار الإقليمي يعرقل الاستثمار في المشاريع الزراعية والصناعات المرتبطة بها، وفي الصناعات التحويلية الأخرى، مما يكرّس اعتماد المنطقة على الاستيراد بدلاً من بناء قدرتها الإنتاجية الذاتية.
سادساً: العقوبات المفروضة على إيران والاقتصادات المرتبطة بها تنعكس على أسعار السلع العالمية، تماماً كما حدث مع العقوبات على روسيا من قبل.
سابعاً: التضخم العالمي، هو ما يرفع كلفة الاستيراد وكلف الانتاج وتأثره المباشر على السياسات النقدية والمالية المتبعة في دول المنطقة.
ثامناً وأخيراً: السؤال الذي يطرح نفسه، هل تعلّمت الدول العربية من درس الحرب الأوكرانية، وبنت احتياطيات استراتيجية كافية من القمح والشعير والزيوت وبقية السلع الأساسية؟ أم أنها تقع في الفخ ذاته من جديد؟
إن واقع الحال في الضفة الغربية وغزة وإيران واليمن ولبنان وسوريا والعراق ودول الخليج العربي ، وفي قلبها الأردن بتهديده الوجودي، كلها جبهات مترابطة، تتقاطع جميعها عند أمننا السيادي والمجتمعي والغذائي والاقتصادي، الذي بات رهينة لقرارات لا نملك زمامها. فإلى أين يسير هذا الشرق الأوسط؟