دفائن الذهب: حين يضيع العمر
م. عامر البشير
05-10-2026 08:58 AM
عن الذين أنفقوا أعمارهم بحثًا عن ذهب ولم يجنوا إلا السّراب
في بعض المجالس الأردنية، ثمة حكاية لم تنتهِ: جرّة ذهب تحت صخرة، إشارة على باب مغارة، مخطط قديم يحتفظ بسرّ دفين، أو صناديق ذهب يُقال إنها دُفنت بجوار خط سكّة حديد. تتبدّل الأسماء والأماكن، ويبقى الوعد: ثروة قريبة، وفرصة سهلة تنتظر من يقتنصها.
يكمن إغراء الوعد في أن الثروة تبدو جاهزة؛ لا تحتاج إلى أن تُصنع، بل إلى أن تُكتشف. كأن الحياة أخفت نصيبًا لأحدهم، وما عليه إلا أن يزيح عنه التراب.
لهذه الحكايات حضور في الموروث الشعبي الأردني، كما في مجتمعات محليّة كثيرة. ويغذّيها الفارق بين حياة الإنسان وما يرجوه لنفسه. فمن الناس من يبحث عن الدفين لسداد دين أو بناء بيت أو تأمين أبنائه. عندئذ تحمل جرّة الذهب معاني الأمان والكرامة والتعويض، ويصعب على صاحب الحلم أن يتخلّى عن أمل العثور عليها.
وفي بلد تتجاور فيه آثار العصور والمغارات والآبار المهجورة والحجارة المنقوشة، يجد الباحث ما يشجّع خياله ليستكمل المشهد، يبدأ من أثر حقيقي ويضيف إليه قصة، ثم يمنحها التكرار يقينًا لم يكن فيها. قد يكون للحجر معنى في تاريخ المكان، لكن الباحث يمنحه معنى في مستقبله: لماذا لا تكون هذه العلامة باب رزق لي؟
المخططات والبصّارون والأجهزة
يستعين الباحث بما يراه دليلًا على وجود الذهب: مخططات وبصّارين وأجهزة كشف.
أولها المخططات، ومنها ما يُقال إنه جاء من تركيا، ويستند إلى روايات عن ذهب ورواتب للجيش العثماني دُفنت أثناء انسحاب قواته في مطلع القرن الماضي، وهو الجيش الذي تسميه الحكايات «العصملي». لا يثبت تداول الروايات صحتها، لكنها تمنح الخيال مشهدًا مقنعًا: جيش ينسحب، وذهب يُخفى، ومخطوط يحتفظ بالسر. ويدفع الباحث ثمن المخطط، ثم ترجمته وتفسيره وتكاليف الحفر؛ وكل نفقة تبدو اقترابًا من الكنز، ولو لم تظهر قرينة جديدة على وجوده.
وثانيها «البصّارون»؛ أشخاص يُنسب إليهم كشف المستور أو علم خفي، وكثيرًا ما يُقدَّمون على أنهم جاؤوا من بعيد. وقد يصدّقهم الباحث، ويتردد في مساءلتهم حين يزعمون أن الله كشف لهم ما خفي عن غيرهم؛ فيختلط احترام المقدّس بتصديق إنسان يتحدث باسمه. ويدّعي بعضهم أنه لا يتقاضى أجرًا، ثم يطلب المال للبخور ومستلزمات الكشف؛ فيدفع الباحث وإن تغيّرت تسمية المبلغ.
وثالثها الأجهزة، ومنها ما يُستورد على أمل حسم الشك. لكن قدراتها تختلف بحسب نوعها، ورصد معدن أو فراغ تحت الأرض لا يثبت وجود كنز. ويميل الباحث إلى تفسير إشارتها بما يوافق خياله.
من «لعلّ» إلى «موجود»
يبدأ الباحث بقوله: «لعلّ هناك شيئًا»، ثم تصبح عبارته: «الذهب موجود، لكننا لم نصل إليه بعد». عندئذ يبحث عن سبب الفشل في العمق أو الجهاز المستخدم أو تفسير العلامة. وقد يُقال له إن الكنز محميّ بما يسمّونه «الرّصد»، ويحتاج إلى من يفكّه. ويؤجل كل تفسير السؤال الأهم: ما الدليل على وجود الذهب أصلًا؟
في المجالس يكثر الحديث عمّن قيل إنه وجد كنزًا، ويقلّ الحديث عمّن عاد خالي اليدين. وإذا غابت التفاصيل، قيل إن صاحب الكنز يحفظ السر تجنّباً للملاحقة، وتزيد مجموعات التواصل ومقاطع الفيديو انتشار هذه الروايات؛ فصور الحفر والمغارات قد تُتداول بوصفها أدلة دون التحقق من مصدرها، ويجد الراغب في التصديق من يشجّعه.
لا يكفي تفسير ذلك بالطمع. فمن يعمل سنوات ولا يرى طريقًا إلى الاستقرار قد يصدّق وعدًا يختصر الزمن. ويبحث الميسور أحيانًا عن المغامرة، وينشغل آخر بالبحث حتى يصبح جزءًا من حياته يصعب عليه تركها.
يزداد التراجع صعوبة على من استدان أو باع أرضًا أو أمضى سنوات في البحث. فقد يواصل تجنبًا للاعتراف بأن ما دفعه ضاع، مع أن الإنفاق السابق لا يثبت وجود الذهب ولا يبرر إنفاقًا جديدًا.
حين يصبح الأمل فخًّا
يستغل المحتال هذا التعلّق، فيقدّم ما يوهم الباحث بصحة الوعد، ثم يطلب المال لتجاوز عائق يتبعه آخر. وتكشف القضايا المعلنة بعض صور هذا الاستنزاف، وإن لم تكشف حجم الظاهرة كلها.
في جرش، نقلت وكالة «بترا» عام 2012 عن الأمن العام قضية مواطن أوهمه شخصان بوجود دفائن في مزرعة يعمل فيها. سلّماه تماثيل ومواد مقلّدة بوصفها أصلية، وكررا طلب الأموال حتى بلغ مجموع ما أخذاه ثمانية وثمانين ألف دينار. صار الدليل الزائف وسيلة لشراء ثقة جديدة واستنزاف إضافي.
وفي قضية أخرى أعلن عنها الأمن العام عام 2020، أُوهم مالك أرض بوجود سبائك فيها، واستُدرج إلى منح وكالة غير قابلة للعزل، ثم عُرضت الأرض للبيع.
وضُبطت مع المشتبه بهم سبائك حديدية مطلية بلون ذهبي. انشغل الرجل بثروة متخيّلة تحت أرضه، فكاد يفقد ثروته الحقيقية فوقها.
حين تتجاوز الخسارة المال
تنتهي رحلة البحث أحيانًا بفقد الحياة نفسها. في السادس والعشرين من تشرين الأول 2023، نشرت «رؤيا» خبر وفاة أب وابنه وصديقه اختناقًا داخل حفرة بعمق نحو اثني عشر مترًا في تسوية بجبل القصور. ونقلت عن مصدر مقرب من التحقيق أن المعلومات الأولية تشير إلى أن البحث عن الدفائن كان وراء الحفر.
كان الابن في السادسة عشرة.
ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة؛ ففي أم قنطرة شرق جرش، أودى سقوط جزء من سقف مغارة بحياة رجل أربعيني أثناء البحث عن دفائن، وفق خبر نشرته «صحيفة الرأي» في الخامس من أيار 2019. وراء هذه الوقائع أسر ورجاء وفقد. وفهم الرجاء لا يعفي القرار من خطئه، لكنه يمنعنا من تحويل المأساة إلى مادة للسخرية.
لماذا تحفظ الذاكرة تفاصيل كنز لم يره أحد، وتنسى أسماء الذين فقدوا حياتهم في طلبه؟ ربما لأن السامع يتخيّل نفسه صاحب الكنز، ويستبعد أن يلقى مصير الباحث. وقد يردّ على المأساة بالقول: أخطأ الباحث المكان، أو لم يعرف السر؛ فلا يتوقف طويلًا عند التحذير.
وللحفر العشوائي ثمن آخر: فالمغارة التي يهدمها الباحث والحجر الذي يكسره قد يكونان شاهدًا على تاريخ لا يُعوَّض. ويحظر قانون الآثار الأردني إتلاف الآثار والحفر في المواقع الأثرية بحثًا عن الدفائن؛ وملكية الأرض لا تمنح صاحبها حق التنقيب عن الآثار فيها.
وتبدأ خسارة الأسرة أحيانًا قبل نفاد المال: أب حاضر بجسده وغائب بذهنه، وحاجات تؤجَّل انتظارًا للفرج، وأبناء يتراجع نصيبهم من اهتمامه. وقد يكون التوقف عن البحث أصعب قراراته، لكنه يحفظ لأسرته ما بقي من وقته وحضوره.
ماذا نفعل؟
أرى أن السخرية من هؤلاء تزيد عزلتهم وتصعّب طلب المساعدة. نحتاج إلى تشجيع ضحايا الاحتيال على الشكوى، وإلى توعية تستند إلى الخسائر الفعلية.
ومن علامات الخطر أن تتكرر الدفعات دون قرائن، أو أن تُطلب وكالة على الأرض بحجة استخراج الدفائن؛ وعندئذ فالأولى وقف الدفع وإبلاغ الجهات الأمنية. وإذا عُثر على أثر فيجب إبلاغ دائرة الآثار العامة أو أقرب مركز أمن، وفق أحكام القانون.
وللأسرة دور أيضًا: أن تسأل صاحب الحلم بهدوء عن الدليل وعن مجموع ما أُنفق، دون سخرية ولا قطيعة، وأن تعرض عليه استشارة الجهات المختصة قبل أي دفعة جديدة.
يمضي العمر بعبارات تبدو صغيرة: بعد هذه المحاولة، وبعد هذا الموسم. ثم يكتشف الإنسان أن الوعد ظل شابًا بينما شاخ هو. ولا دليل على أن الذهب كان موجودًا أصلًا، لكن الحياة التي أنفقها في طلبه كانت موجودة: في بيته، وفي أيدي أبنائه، وفي الأيام التي مرّت وهو ينتظر.
المصادر
قانون الآثار رقم (21) لسنة 1988 وتعديلاته، النسخة المنشورة على موقع وزارة السياحة والآثار، وتشمل تعديل عام 2008. المواد (5/د)، (9)، (14)، (15/أ)، (16). رابط المصدر
وكالة الأنباء الأردنية «بترا»: الشرطة تلقي القبض على محتال وتبحث عن آخر، 27 أيار 2012. رابط المصدر
«البيان»: خدعة سبائك الذهب لم تفلح.. ذكاء 3 محتالين يوقعهم بأيدي الشرطة الأردنية، 10 تشرين الأول 2020، نقلًا عن الناطق الإعلامي باسم الأمن العام. رابط المصدر
«رؤيا»: تفاصيل جديدة حول وفاة ٣ أشخاص داخل حفرة في عمان، 26 تشرين الأول 2023. سبب الحفر منسوب إلى معلومات أولية نقلها مصدر مقرب من التحقيق. رابط المصدر
صحيفة «الرأي»: مصرع أربعيني أثناء البحث عن دفائن شرق جرش، 5 أيار 2019، نسخة الخبر على «نبض». رابط المصدر