الأردن قبل أن يكون اسماً / الإنسان الأول وأرض البدايات
د. بركات النمر العبادي
05-10-2026 12:35 PM
السردية الاردنية / تسلسل (1)
اذن قبل أن يكون للأردن اسمٌ على الخرائط ، وقبل أن تُرسم الحدود وتُقام الدول وتُرفع الرايات، كانت هذه الأرض موجودة ؛ أرضاً استقبلت الإنسان ، ومنحته الماء والمأوى، وكانت جزءاً من المشهد الإنساني المبكر في بلاد الشام.
فالأردن ليس بداية تاريخه عند قيام الإمارة أو المملكة، ولا حتى عند ظهور الممالك القديمة التي حملت أسماء معروفة في المصادر التاريخية ؛ إذ تكشف الأدلة الأثرية عن وجود بشري قديم جداً في المنطقة، وعن مراحل متعاقبة من الصيد وجمع الغذاء إلى الاستقرار والزراعة وتكوين المجتمعات الأولى (Finlayson et al., 2011; Rollefson, 1998).
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن بلاد الشام، ومن ضمنها الأراضي الأردنية ، كانت مسرحاً مهماً للتحولات الكبرى في تاريخ الإنسان؛ فقد انتقلت جماعات بشرية تدريجياً من أنماط حياة تعتمد على الصيد والجمع إلى أنماط أكثر استقراراً، ثم ظهرت القرى الزراعية والمجتمعات المنظمة (Kuijt, 2008).
وفي عين غزال، الواقعة بالقرب من عمّان، نجد واحداً من أبرز الشواهد على هذه التحولات. فقد كشفت الحفريات عن مستوطنة كبيرة تعود بداياتها إلى العصر الحجري الحديث، وعن مجتمع عرف الزراعة والاستقرار وبنى مساكنه وطور طقوسه وممارساته الاجتماعية Rollefson), 1998 ) كما عُثر في الموقع على تماثيل بشرية من الجص تُعد من أشهر المكتشفات الأثرية في المنطقة، وتكشف عن مستوى متقدم من التعبير الرمزي لدى المجتمعات التي عاشت هناك.
وهنا تبدأ أهمية المكان في تشكيل التاريخ. فالإنسان لم يكن مجرد عابر في هذه الجغرافيا؛ لقد استقر فيها ، وزرع أرضها، ودجّن حيواناتها، وبنى مساكنه، ودفن موتاه، وترك وراءه أدواته ومبانيه ورموزه. ومع الزمن، تحولت الأرض من مجرد فضاء طبيعي إلى موطن اجتماعي وثقافي.
وهذا التحول يمثل لحظة أساسية في تاريخ الإنسان: فحين يستقر الإنسان في مكان، تبدأ علاقته به في تجاوز الحاجة المادية إلى بناء الذاكرة والانتماء. ومن هنا يمكن النظر إلى الاستقرار البشري القديم بوصفه إحدى اللبنات الأولى في تاريخ تكوين المجتمعات في المنطقة (Kuijt, 2008).
ولا تعني هذه الحقيقة أن المجتمع الأردني المعاصر هو امتدا د بيولوجي بسيط ومباشر لجماعة بشرية واحدة عاشت هنا قبل آلاف السنين؛ فالتاريخ السكاني والثقافي للمنطقة أكثر تعقيداً، وشهد موجات من الحركة والهجرة والتفاعل والتغير. لكن الثابت أثرياً أن هذه الأرض كانت مأهولة، وأنها كانت جزءاً من مسار طويل من التطور الحضاري للإنسان في المشرق (Finlayson et al., 2011).
ومن هنا ينبغي أن نميز بين تاريخ الأرض وتاريخ الدولة.فالدولة الحديثة كيان سياسي وقانوني حديث نسبياً، أما الأرض والإنسان والذاكرة الاجتماعية فهي أقدم بكثير.
ولذلك فإن السردية الأردنية لا تبدأ عند لحظة سياسية محددة، وإنما يمكن أن تُقرأ بوصفها طبقات متراكمة من الإنسان والمكان والثقافة والتاريخ.
وهذه الرؤية تتفق مع أحد المعاني الأساسية في الفكر المحافظ: أن المجتمع لا يصنع نفسه من نقطة الصفر، وأن الحاضر يقوم فوق تراكم طويل من الخبرات والعادات والذاكرة والمؤسسات. وقد عبّر إدموند بيرك عن أهمية الموروث التاريخي والاجتماعي في بناء المجتمع السياسي، محذراً من التعامل مع المجتمع وكأنه مجرد بناء يمكن إعادة تصميمه بعيداً عن تاريخه وتقاليده (Burke, 1790/2009).
كما طور روجر سكروتن لاحقاً فكرة الارتباط بالمكان والذاكرة والانتماء باعتبارها عناصر مهمة في فهم المجتمع والمحافظة على استمراريته (Scruton, 2006).
ومن هذا المنظور، فإن استعادة تاريخ الإنسان في الأردن ليست محاولة لتحويل الماضي إلى أسطورة، ولا للقول إن التاريخ سار في خط مستقيم نحو الدولة الأردنية الحديثة؛ وإنما هي محاولة لفهم التراكم التاريخي الذي جعل هذه الجغرافيا موطناً للإنسان ومسرحاً للتفاعل الحضاري عبر آلاف السنين.
فالأردن، قبل أن يكون اسماً سياسياً، كان أرضاً. وقبل أن تكون له حدود، كان فيه إنسان. وقبل أن تظهر الدولة، كانت هناك جماعات ومجتمعات وعلاقات إنسانية وذاكرة تتشكل جيلاً بعد جيل،ومن هذه الحقيقة البسيطة يبدأ فهم أعمق للسردية الأردنية: الأرض ليست مجرد مساحة، والإنسان ليس مجرد ساكن فيها، والتاريخ ليس مجموعة تواريخ منفصلة؛ وإنما هو تراكم طويل من العلاقة بين الإنسان والمكان.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة