المحامي .. عين العدالة داخل قاعة المحكمة
محمد نور الدباس
06-10-2026 10:57 AM
عندما نتحدث عن منظومة العدالة، غالباً ما تتجه الأنظار إلى القاضي باعتباره صاحب الولاية في الفصل في النزاع، وإلى النيابة العامة باعتبارها ممثلة للمجتمع، وإلى أجهزة إنفاذ القانون باعتبارها الجهة التي تتولى تنفيذ القانون، لكن ثمة طرفاً آخر يقف داخل هذه المنظومة، لا يملك سلطة إصدار الحكم ولا سلطة الاتهام، ومع ذلك يستطيع أن يرى تفاصيل العملية القضائية من الداخل، وأن يكشف مواطن الخلل فيها، وأن يضعها أمام المحكمة والجهات المختصة.
إنه المحامي؛ والمحامي في القضايا الجزائية على وجه الخصوص، ليس مجرد شخص يتولى الدفاع عن متهم في مواجهة اتهام، صحيح أن الدفاع عن المتهم هو جوهر مهمته، وأنه يعمل لحماية حقوق موكله ومصالحه القانونية، إلا أن هذه المهمة في حقيقتها تتجاوز المصلحة الفردية لتلامس جوهر العدالة نفسها.
فحين يعترض المحامي على إجراء غير قانوني، أو يطعن في مشروعية دليل، أو يتمسك ببطلان إجراء من إجراءات التحقيق، أو يطالب باحترام حق المتهم في الدفاع، أو يلفت نظر المحكمة إلى إخلال بضمانات المحاكمة العادلة، فإنه لا يؤدي واجبه تجاه موكله فحسب، وإنما يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تصحيح مسار العدالة.
ومن هنا يمكن النظر إلى المحاماة باعتبارها إحدى أدوات الرصد القانوني والمهني لسلامة إجراءات التقاضي، لكن ينبغي التمييز بدقة بين مفهوم الرصد والرقابة، فالمحامي ليس جهاز تفتيش على القضاء، وليس جهة رقابية تملك سلطة على القاضي أو المحكمة، ولا يجوز أن تتحول مهنته إلى تدخل في استقلال القضاء، إنما المقصود أن وجوده داخل العملية القضائية، ومعرفته الدقيقة بالقانون والإجراءات، وقدرته على الاعتراض والطعن وإثارة الدفوع، تمنحه موقعاً فريداً يمكنه من اكتشاف الخلل الإجرائي والتنبيه إليه.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمحاماة، فالمحامي يرى ما لا يظهر دائماً في التقارير الإدارية والإحصاءات الرسمية، فهو يلتقي بالموقوف والمتهم، ويتابع إجراءات التحقيق، ويحضر جلسات المحاكمة، ويطلع على ملف الدعوى، ويتعامل مع إجراءات التبليغ والخبرة والشهادة والأدلة، ويرصد التأجيلات ومسبباتها، ويتابع تنفيذ القرارات والأحكام.
وبالتالي، فإن تراكم خبرات المحامين لا يمثل مجرد خبرات فردية متفرقة، وإنما يمكن أن يتحول، إذا جرى جمعه وتحليله بطريقة منهجية، إلى مصدر بالغ الأهمية لقياس سلامة منظومة العدالة الجنائية، وهنا تبرز قضية أكبر من مجرد الدفاع عن متهم أو كسب قضية، فماذا لو سألنا المحامين، بصورة دورية ومنهجية، عن أكثر المشكلات الإجرائية التي يواجهونها؟ ماذا لو جرى رصد أسباب التأجيل المتكرر للقضايا؟ وماذا لو تم تحليل الشكاوى المتعلقة بالتوقيف والتحقيق والوصول إلى المحامي ومناقشة الأدلة وتنفيذ الأحكام؟ وماذا لو أمكن اكتشاف أن مشكلة معينة تتكرر في عدد كبير من القضايا، وفي أكثر من محكمة، وعلى مدى زمني طويل؟
عندها لن نكون أمام شكوى فردية، وإنما أمام مؤشر على مشكلة مؤسسية تستحق الدراسة والمعالجة، وهذه النقلة في التفكير مهمة جداً، فالعدالة الحديثة لا ينبغي أن تكتفي بالسؤال: كم قضية نظرت المحاكم؟ وكم حكماً صدر؟ وكم شخصاً تم توقيفه أو الإفراج عنه؟ بل ينبغي أن تسأل أيضاً: كيف جرت الإجراءات؟ وهل احترمت ضمانات المحاكمة العادلة؟ وهل تم احترام حقوق الدفاع؟ وهل كانت الإجراءات متوافقة مع القانون؟ وما هي الأنماط المتكررة التي تحتاج إلى إصلاح؟
وهنا يمكن للمحامين أن يكونوا شريكاً أساسياً في بناء صورة أكثر دقة عن واقع العدالة، وليس المقصود أن يحل المحامون محل أجهزة الرقابة أو التفتيش أو الجهات القضائية المختصة، وإنما أن يُنظر إليهم باعتبارهم شركاء مهنيين في رصد ضمانات العدالة، بما ينسجم مع طبيعة مهنتهم ومكانتهم داخل منظومة سيادة القانون، فالمحامي الذي يرفض إجراءً غير قانوني، لا يعطل العدالة؛ بل يحميها، والمحامي الذي يطعن في دليل تم الحصول عليه بطريقة غير مشروعة، لا يحمي المتهم وحده؛ بل يحمي مشروعية الدليل وهيبة القانون، والمحامي الذي يتمسك بحقوق الدفاع، لا يقف في مواجهة القضاء؛ بل يساعد القضاء على إصدار حكم يستند إلى إجراءات سليمة وضمانات عادلة.
ومن هنا فإن قوة القضاء لا تقاس فقط بقدرته على إصدار الأحكام، وإنما أيضاً بقدرته على العمل داخل منظومة تسمح باكتشاف الأخطاء وتصحيحها، ولعل من المفيد أن تتجه المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان إلى تطوير آليات تعاون مهنية مع نقابات المحامين والمحامين الممارسين، بهدف بناء نظام لرصد مؤشرات العدالة الجنائية من منظور الممارسة اليومية للمحاماة.
حيث يمكن أن يتضمن هذا النظام مؤشرات تتعلق بالتوقيف، والتحقيق، والوصول إلى المحامي، وحقوق الدفاع، والتبليغات، والخبرة، والشهادة، والأدلة، والتأجيلات، ومدة التقاضي، وتنفيذ الأحكام، وغيرها من المسائل التي تكشف بصورة عملية مدى تمتع المتقاضي بضمانات المحاكمة العادلة، والأهم من ذلك أن هذه البيانات لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لتوجيه الاتهام إلى مؤسسة أو شخص، وإنما إلى أداة تشخيص وإصلاح، فالهدف النهائي ليس البحث عن المخطئ، وإنما البحث عن موطن الخلل.
ولذلك، فإن إعادة النظر في دور المحامي داخل منظومة العدالة قد تكون خطوة مهمة نحو مفهوم أكثر تطوراً للرقابة على العدالة؛ رقابة لا تقوم على التدخل في عمل القضاء، وإنما على تعدد مصادر الرصد، وتراكم المعلومات، وتحليل الأنماط، ورفع التوصيات القابلة للقياس.
فلقد اعتدنا أن ننظر إلى المحامي باعتباره "صوت المتهم" داخل المحكمة، وربما آن الأوان لأن نراه أيضاً باعتباره عيناً قانونية ترصد سلامة الطريق الذي تسلكه العدالة للوصول إلى الحقيقة، فالمحامي لا يحرس حقوق موكله فقط؛ بل عندما يمارس مهنته باستقلال ونزاهة، فإنه يساهم في حراسة قاعدة أوسع وأهم، وهي ألا تتحول إجراءات العدالة إلى غاية بحد ذاتها، وأن يبقى القانون هو الحاكم، وأن تظل المحاكمة العادلة حقاً أصيلاً لكل إنسان.
وهنا تحديداً تلتقي مصلحة المتهم مع مصلحة المجتمع، ويلتقي حق الدفاع مع سيادة القانون، وتتحول المحاماة من مجرد مهنة تمارس داخل قاعة المحكمة إلى أحد المكونات المهنية التي يمكن أن تسهم في حماية نزاهة منظومة العدالة بأكملها.