الدينار ثالث العالم .. والاقتصاد يبحث عن مكانه!
د. مثقال القرالة
20-10-2026 02:13 PM
حين يحتل الأردن المرتبة الثالثة عالمياً في مؤشر «سلامة النقد» لعام 2026، وفقاً لما نُشر عن تقرير معهد فريزر الكندي، فإننا أمام إنجاز يستحق التقدير، ويعكس قدرة السياسة النقدية الأردنية على المحافظة على الاستقرار والثقة بالدينار رغم الاضطرابات الاقتصادية والسياسية التي تشهدها المنطقة. لكن هذا الإنجاز يفرض سؤالاً أكثر أهمية: ما قيمة قوة الدينار إذا لم تنعكس على قوة الاقتصاد، وتحسين القدرة الشرائية للمواطن، وتخفيف تكاليف المعيشة، وتحفيز الاستثمار؟. لا شك أن البنك المركزي الأردني استطاع المحافظة على استقرار الدينار وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي واحتواء الضغوط التضخمية، وهي إنجازات لا يجوز التقليل من أهميتها. لكن قوة العملة لا تعني بالضرورة قوة الاقتصاد، كما أن الاستقرار النقدي لا يعني بالضرورة تحسن المستوى المعيشي. فهناك فرق جوهري بين اقتصاد يمتلك عملة مستقرة واقتصاد يمتلك قاعدة إنتاجية قوية قادرة على خلق الثروة وتوفير فرص العمل وتحسين دخول المواطنين.
والمفارقة أن الأردن، رغم هذا التقدم في سلامة النقد، لا يزال يواجه تحديات اقتصادية تتعلق بالبطالة والمديونية وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القدرة الشرائية. ومن منظور اقتصادي ومحاسبي، لا يمكن الحكم على نجاح السياسات الاقتصادية من خلال مؤشر نقدي منفرد، وإنما من خلال منظومة متكاملة تشمل النمو الاقتصادي والإنتاجية والاستثمار والدخل الحقيقي ومستويات المعيشة. فالاقتصاد الذي يحافظ على استقرار عملته دون أن يحقق نمواً ملموساً في دخول مواطنيه يظل بحاجة إلى معالجة الاختلالات الهيكلية التي تحد من قدرته على تحقيق التنمية. ولعل الجانب الذي لا يحظى بالنقاش الكافي هو أثر قوة الدينار وارتفاع تكاليف المعيشة في الأردن على مدخرات المغتربين الأردنيين، ولا سيما العاملين في دول الخليج العربي. فالمغترب الذي يقضي سنوات طويلة بعيداً عن وطنه، ويقتطع جزءاً كبيراً من دخله لتأمين مستقبله ومستقبل أسرته، يكتشف عند التفكير بالعودة أن ما جمعه خلال سنوات الاغتراب قد لا يكفي لشراء مسكن مناسب أو تأسيس مشروع اقتصادي يضمن له حياة كريمة. فقوة الدينار أمام العملات الأخرى، مقترنة بارتفاع أسعار العقارات والأراضي وتكاليف البناء والخدمات، تجعل تحويل المدخرات إلى أصول حقيقية داخل الأردن تحديًا كبيراً.
ولنأخذ مثالاً بسيطاً؛ فالمغترب الأردني الذي يعمل في إحدى دول الخليج قد يحتاج إلى سبع أو ثماني سنوات من العمل والادخار حتى يتمكن من جمع مئة ألف دينار أردني لشراء شقة متوسطة، وربما يحتاج إلى سنوات إضافية إذا كانت التزاماته الأسرية مرتفعة. وفي المقابل، قد تتيح المبالغ ذاتها، عند تحويلها إلى عملات بعض الدول الأخرى الأقل تكلفة، شراء مسكن وتأسيس مشروع صغير والاحتفاظ بجزء من المدخرات. وهنا لا نتحدث عن مقارنة شكلية بين أسعار صرف العملات، وإنما عن القيمة الحقيقية للمدخرات وما تستطيع شراءه من سكن وخدمات وفرص استثمارية، وهي المقارنة التي تهم المغترب أكثر من أي تصنيف نقدي دولي. وهذا الواقع يطرح تساؤلاً اقتصادياً مهماً: هل نجحنا في تحويل قوة الدينار إلى ميزة اقتصادية للمغترب الأردني، أم أن ارتفاع تكاليف المعيشة والعقارات جعل سنوات اغترابه أقل قدرة على تحقيق أهدافها؟ فالمغترب لا ينظر إلى الدينار باعتباره رقماً في سوق الصرف، وإنما ينظر إلى ما يستطيع أن يشتريه بمدخراته عند العودة إلى وطنه. وإذا أصبحت كلفة تأسيس حياة مستقرة في الأردن مرتفعة مقارنة ببعض الدول الأخرى، فإن ذلك قد يدفع بعض المغتربين إلى تأجيل العودة، أو توجيه جزء من استثماراتهم ومدخراتهم إلى أسواق خارجية توفر لهم عوائد وفرصًا أفضل.
ولا يعني ذلك المطالبة بإضعاف الدينار أو التخلي عن استقراره؛ فخفض قيمة العملة قد يرفع تكاليف المستوردات ويزيد الضغوط على المواطنين، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة. وإنما المطلوب هو معالجة المفارقة بين الاستقرار النقدي وارتفاع تكاليف الحياة، من خلال سياسات إسكانية واستثمارية وضريبية تعزز القوة الشرائية الحقيقية، وتخفض كلفة الإنتاج والسكن، وتمنح مدخرات المغتربين قدرة أكبر على التحول إلى استثمارات منتجة داخل المملكة. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على البنك المركزي وحده، فالمحافظة على الاستقرار النقدي تقع ضمن اختصاصاته، أما تحويل هذا الاستقرار إلى نمو اقتصادي وفرص عمل ومستويات معيشية أفضل، فهو مسؤولية أوسع تشترك فيها الحكومة بمختلف سياساتها المالية والاقتصادية والاستثمارية. وإذا كان الأردن قد نجح في بناء هذه الثقة النقدية، فلماذا لا تنعكس بصورة أكبر على جاذبية الاستثمار؟ ولماذا لا تتحول تحويلات المغتربين من مصدر لدعم الاستهلاك والإنفاق الأسري إلى رافعة للمشروعات الإنتاجية والإسكان والاستثمار طويل الأجل؟.
إن المطلوب اليوم ليس مزيداً من الاحتفاء بالتصنيفات الدولية، وإنما الانتقال من إدارة الاستقرار إلى صناعة النمو، ومن المحافظة على المؤشرات إلى تعظيم عوائدها الاقتصادية والاجتماعية. كما أن جذب مدخرات المغتربين لا يتحقق بالشعارات الوطنية وحدها، بل بتوفير فرص استثمارية حقيقية، وتخفيض تكاليف تأسيس المشروعات، ومعالجة ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، وتبسيط الإجراءات، وتوفير بيئة اقتصادية تجعل العودة إلى الأردن خياراً مجدياً من الناحيتين المعيشية والاستثمارية. كما إن احتلال الأردن المرتبة الثالثة عالمياً في سلامة النقد إنجاز مهم، لكنه لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أن المواطن لا يعيش على التصنيفات الدولية، وأن المغترب لا يقيس نجاح الاقتصاد بقوة سعر صرف الدينار، وإنما بعدد السنوات التي يحتاجها لشراء منزل، وبما تبقى من مدخراته بعد تأمين حياة كريمة لأسرته. فنجاح السياسة النقدية يُقاس باستقرار الدينار، أما نجاح السياسة الاقتصادية فيُقاس بقدرة هذا الدينار على بناء حياة أفضل للمواطن داخل الأردن وخارجه. وما جدوى أن يكون الدينار من الأقوى في مؤشرات سلامة النقد، إذا كان المغترب يحتاج إلى سنوات طويلة من عمره ليشتري شقة في وطنه؟.