جريمة الكرك: فتنةٌ ملعونة .. أم إعلان حرب على الدولة؟!
فيصل تايه
24-10-2026 09:01 AM
ما جرى في الكرك ليس مجرد حادثةٍ تُضاف إلى سجلات الجرائم المروّعة، بل هو سهمٌ مسمومٌ أُطلق في خاصرة الضمير الأردني الجمعي. نحن لا نقف أمام مجرد تعدٍّ على أرواحٍ أردنية طاهرة فحسب، بل أمام انتهاكٍ صارخٍ لحرمة الموت، واعتداءٍ سافرٍ على قدسية الحق الإنساني في وداع الراحلين بسكينةٍ وسلام؛ إنها طعنةٌ نجلاء تسعى لتقويض أساس الأمان الذي قامت عليه هذه الدولة ولن تستقيم بدونه حياة.
أن تُرشّ الرشاشات في بيوت الله، وأن يُستهدف أردنيون شرفاء احتشدوا بقلوبٍ مكلومة لشييع فقيدتهم، فذلك انحدارٌ أخلاقيٌّ وسقوطٌ قيمِيّ لا تبرره ذريعة، ولا تداريه تعليلات، ولا تخفف من بشاعته أي حسابات. فالجنازةُ في عرف الأردنيين تاريخاً ومبدأً ليست ساحةَ مواجهة، والمعزّون ليسوا خصوماً، والدم الذكي الذي يُسفك في لحظات الوداع الحزينة يترك في جدار الوطن جرحاً غائراً يتجاوز ذوي الشهداء والضحايا ليزلزل أركان المجتمع بأسره.
ولعلّ ما يضاعف من قسوة هذه المأساة وشناعتها، أنها وقعت على ثرى الكرك؛ كرَكِ المجد والنخوة، المدينة التي تحتلُّ عرشاً راسخاً في الوجدان الأردني، وتتوشح بإرثٍ تليد من الشراكة والتكافل والشهامة التي لم تتزعزع يوماً. ولهذا، فإننا نرفض بلمسة قاطعة اختزال هذا الاعتداء الغاشم في مجرد (حادث أمني عابر)، أو الاكتفاء ببيانات إنكارٍ باهتة يتلاشى أثرها مع جفاف حبر الصحف! إن خطورة ما حدث تستدعي موقفاً تاريخياً يقتصّ للضحايا، ويحمِي النسيج الوطني المقدس من محاولات العبث أو التوظيف الخبيث لإشعال فتنةٍ يلعن الله من أيقظها.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الدولة الحاسمة؛ مسؤوليةٌ لا تُداهن ولا تتلكأ في كشف القناع عن كل ملابسات الجريمة، وتحديد مكامن الخلل بكل شجاعة ، فالمسؤولية السيادية لا تنتهي عند ملاحقة أشباح المنفذين بالوعود، بل تمتدّ لقطع دابر الكارثة ومنع تكرارها للأبد ، فثقة الأردنيين بدولتهم لا تُفرض بالإنشاء، بل تُبنى بصرامة الإجراءات، وشفافية الحقائق، وسيادة القانون القاطع على الكبير قبل الصغير.
وإذا ما كشفت التحقيقات أن وراء هذا الفعل الآثم فكراً تكفيرياً ظلامياً أو تنظيماً إرهابياً متطرفاً، فإن يد العدالة يجب ألا ترحم، وأن تمتد المساءلة الحازمة لترسّخ الملاحقة ليس فقط لمن ضغط على الزناد، بل لكل من حرّض، أو خطط، أو موّل، أو وفّر الحاضنة والمأوى.
إنها لحظة المفاصلة الحاسمة لمواجهة الخطابات السمومة التي تزرع الكراهية وتنكر على ابن الوطن حقه في الحياة والاختلاف. فالإرهاب والتطرف لا يستهدفان المسيحيين وحدهم، بل يضربان في قلب الدولة الأردنية ويستهدفان حقنا جميعاً في العيش المشترك تحت راية واحدة.
إن إخواننا المسيحيين في الأردن ليسوا ضيوفاً ولا جيراناً في بيت غيرهم، بل هم الشركاء الأصيلون في الغرس والزرع، وفي ملح هذه الأرض وتاريخها ومستقبلها. حقهم في العبادة والأمان الأبيّ ليس منّةً من أحد ولا مكرمة تُستجدى، بل هو حقّ مواطنةٍ أصيل كفله الدم قبل الدستور، ويحميه القانون قبل القوة. إن أمن الكنيسة هو ذاته أمن المسجد، وحرمةُ محراب المصلّين جزءٌ لا يتجزأ من حرمة الوطن وكرامة الأردنيين أجمعين.
في هذه اللحظة العصيبة، تصبح حماية الوحدة الوطنية صلباً من صلاب المواجهة مع الجريمة. لا مجال إطلاقاً لأن تتحول دماء شهدائنا إلى وقودٍ للتحريض الشرير، أو أن تنال الشائعات الخبيثة من تماسك بنياننا. لكن الوحدة الوطنية لا تعني الصمت المريب، والاستقرار لا يعني التغاضي عن الأسئلة الحارقة؛ بل إن الاستقرار الحقيقي يترسخ بالعدالة الناجزة، وحفظ الحقوق، وكشف الحقائق كاملة أمام الشعب.
إن الكرك اليوم لا تريد بيانات تعزيةٍ دافئة، بل تنادي بموقفٍ حازم يترجم الإدانة إلى أفعال صلبة، ويحفظ للضحايا كرامتهم، ويصون البيوت ودور العبادة بحصانة صلبة. لقد ذهب أردنيون شرفاء ليودعوا فقيدهم، فإذا بهم يواجهون الموت في لحظةٍ كان يجب أن تكون للسكينة والوداع.
إننا أمام اختبارٍ وطني لا يحتمل التسويف أو التأجيل: إما أن نكون دولة قانون صلبة تحمي إنسانها وتقتلع جذور التطرف من أعماقها، وإما أن نترك الخوف ينهك مجتمعنا. فالأمن الحقيقي لا يُقاس بالبث المباشر لإدانة الجرائم بعد وقوعها، بل بالقدرة على حماية الأردني قبل أن يسقط ضحية؛ وأن يظل سيادة القانون أعلى وأقوى من صخب الكراهية، والمواطنة الصالحة أرسخ من أوهام الفتنة، وأن يُدرك الجميع -سلفاً وقاطعاً- أن لا أردني يُترك وحيداً أو خائفاً في وطنه!