facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كيف يدير الأردن غضبه؟


المحامي أسامة البيطار
26-10-2026 11:58 AM

ليس الأردني قليل الشكوى، ولا تخلو حياته من أسباب الغضب... يضيق بغلاء المعيشة، ويقلق على مستقبل أبنائه، وينتقد حكومة، ويعترض على قرار. ومع ذلك، يبقى في العلاقة بين الأردني ودولته ما يستحق التأمل كيف يستمر الانتماء رغم الاعتراض؟ وكيف تحتفظ الدولة بمكانتها عند مواطن لا يخفي استياءه من بعض سياساتها؟

أعتقد أن جانباً مهماً من الإجابة يكمن في قدرة الأردن على إبقاء منافذ العلاقة مفتوحة.

يشبه المجتمع، حين تتراكم عليه الأعباء، طنجرة ضغط؛ تزداد خطورتها حين تُغلق منافذها. وحين يشعر الإنسان بأن صوته لا يصل، وأن شكواه لا تجد باباً، قد تتجاوز مشكلته حدود الراتب والخدمة والقرار، لتصبح مشكلة ثقة بالدولة نفسها.

في التجربة الأردنية، ثمة إدراك متراكم لأهمية هذه المسألة. وقد شكّل الانفتاح السياسي وانتخابات عام 1989، في عهد الملك الحسين، محطة مهمة في توسيع المشاركة والتعبير. ومهما اختلفت التقييمات للمسار السياسي بعد ذلك، تبقى قيمة هذا التوجه في إتاحة مساحة للاختلاف داخل الدولة ومؤسساتها.

وفي عهد الملك عبد الله الثاني، يكتسب التواصل المباشر مع المواطنين قيمة تتجاوز الزيارة ذاتها. فاللقاءات مع أبناء المحافظات، والاستماع إلى مطالبهم، والحضور في مناسباتهم، تختصر مسافة قد تعجز عنها المعاملات والمكاتبات. وحين يستطيع مواطن أن يعرض مشكلة منطقته أمام الملك، يشعر بأن قضيته قادرة على الوصول إلى موقع القرار.

ويؤدي تواصل ولي العهد مع الشباب، والعمل المجتمعي للملكة رانيا، وحضور الديوان الملكي في أفراح الناس وأحزانهم، دوراً في استمرار هذه الصلة. ففي مجتمع كالأردن، للمشاركة الاجتماعية وزنها، وللحضور الشخصي أثر لا تؤديه البيانات الرسمية وحدها.

وفي هذا السياق، حملت مواساة الملكة رانيا لأسر شهداء الكرك، وما ظهر من تأثرها ومشاركتها حزنهم، معنى إنسانياً واضحاً. فمثل هذا الحضور لا يزيل الفاجعة، لكنه يعبّر عن قرب القيادة من الناس في لحظاتهم الأشد قسوة، ويؤكد لأهل المصاب أن حزنهم ليس شأناً يخصهم وحدهم.

ولا تقوم العلاقة بين الدولة والمجتمع على التواصل الملكي وحده. فللحكومة والوزراء والمسؤولين دور ينبغي أن يكون أكثر انتظاماً وفاعلية، وللبرلمان والإعلام والنقابات والأحزاب والجمعيات أدوار في نقل المطالب وفتح النقاش وتنظيم الاختلاف. وقد نختلف على كفاءة هذه القنوات وحدود تأثيرها، لكن الحاجة إليها تزداد كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وللجمعيات الخيرية والتكافل الأهلي دور مهم أيضاً. فالمساعدة التي تصل إلى أسرة، أو العلاج الذي يتوفر لمريض، أو المساندة التي يجدها طالب، تخفف أعباء حقيقية وتُبقي الشعور بالتضامن حاضراً. وهذا جهد يساند الدولة، مع بقاء الحماية الاجتماعية والخدمات العادلة من مسؤولياتها الأساسية.

وتجري إدارة هذه العلاقة في بلد تحكمه معادلات خارجية معقدة. فالأردن يتعامل مع قوى ودول تتباين مصالحها، ويواجه أزمات إقليمية تنعكس على اقتصاده وأمنه ومجتمعه. وعليه أن يحافظ على علاقاته ومواقفه وهامش قراره، في مساحة لا تتيح دائماً الخيارات التي يتمناها الناس.

لذلك يحتاج المواطن إلى تفسير واضح للقرار، وإلى مصارحة بحدود الممكن وكلفة البدائل. فإدراك صعوبة الظروف لا يعني الموافقة على كل سياسة، لكنه يساعد على قيام نقاش أكثر واقعية بين الدولة والمجتمع.

غير أن الاعتزاز بقدرة الأردن على استيعاب الغضب يجب ألا يجعلنا نكتفي بالتنفيس. فالمواطن يريد أن يُسمع، ويريد أيضاً أن يرى نتيجة. والشكوى التي تتكرر دون معالجة، والوعد الذي لا يتبعه تنفيذ، قد يستنزفان الثقة مهما كانت قنوات التواصل واسعة.

وتظهر قيمة الاستماع حين يقود إلى تصحيح قرار، أو تحسين خدمة، أو محاسبة مقصّر، أو تقديم تفسير صريح لتعذّر الاستجابة. فالثقة تتجدد حين يلمس الناس أثراً لما يقولونه، وحين يشعرون بأن مؤسساتهم تتعلم من أخطائها.

أما الوحدة الوطنية، فتتقوى بهذه العلاقة اليومية، وبشعور المواطن بأن كرامته وحقوقه مصونتان، بصرف النظر عن أصله أو دينه أو موقعه الاجتماعي. وعند وقوع اعتداء كالذي شهدته الكرك، تتضح أهمية هذه الروابط في حماية المجتمع من الانقسام، وفي تأكيد أن أمن الأردنيين مسؤولية مشتركة، وأن العدالة وسيادة القانون مرجع الجميع.

من هنا، فإن قراءة الأردن من خلال ضائقته الاقتصادية وحدها تبقى قراءة ناقصة. فهناك رصيد من الانتماء والعلاقات الاجتماعية والثقة بالمؤسسات، يساعد البلد على تحمل أعبائه. لكنه رصيد يحتاج إلى رعاية وتجديد، ولا يصح التعامل معه بوصفه ضمانة دائمة مهما تراكمت المشكلات.

ليس سر الأردن أن أبناءه لا يغضبون؛ بل أن الغضب لا يقطع بالضرورة صلتهم بالدولة، وأن الاعتراض على حكومة أو سياسة يبقى جزءاً من اهتمامهم بمستقبل وطنهم.

وهذه علاقة تستحق أن نحافظ عليها بمزيد من المشاركة، وعدالة أوسع، ومؤسسات تستمع وتستجيب، حتى يبقى باب الإصلاح مفتوحاً بقدر ما يبقى باب الشكوى مفتوحاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :