حمود الكرك: حين تحرس المحبة ذاكرة الوطن
د. جعفر النسور
25-10-2026 01:20 PM
في حمود، لم يبقَ الحزن حبيس قرية في الكرك، بل امتدّ إلى قلوب الأردنيين جميعاً، وكأنّ الوطن اجتمع في تلك البقعة الصغيرة ليشارك أهلها وجعهم، خلّفت الجريمة الإرهابية ألماً عميقاً، واعتدت على حرمة الإنسان ومكان العبادة، لكنها، على قسوتها، لم تنل من حقيقة راسخة في وجدان الأردنيين؛ أن ما يجمعهم أرسخ من المحن، وأن الوطن الذي يتقاسم أبناؤه أفراحه وأحزانه لا تستطيع جريمة أن تمحو روابطهم أو تنال من تاريخهم المشترك.
وعلى امتداد عقود، حافظ الأردن على نسيجه الاجتماعي، مستنداً إلى وعي أبنائه بأن المواطنة ليست شعاراً يُرفع، وإنما علاقة تقوم على الاحترام والثقة والمسؤولية المتبادلة، وقد تجلّى هذا المعنى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي مواقف ظلّت شاهدة على أصالة العلاقة بين الأردنيين، حيث لم يكن اختلاف المعتقد حاجزاً أمام المحبة أو العطاء، وظلّ حسن الجوار واحترام الآخر جزءاً أصيلاً من تقاليد المجتمع وقيمه.
حدثني صديق ذات يوم أن والده كان يجمع التبرعات لبناء مسجد في مدينة الزرقاء، انطلاقاً من إيمانه بأن جيرانه المسلمين إخوةٌ له، وأن ما يحتاجون إليه يعنيه كما يعنيهم. وفي السلط، حكى لي عن أحد أبناء الكنيسة الذي اعترض لدى البلدية على هدم جزء من سور أحد المساجد لتوسعة ممر، وسعى إلى الحفاظ عليه، وفي المقابل، ظلّت الكنيسة القائمة في وسط المدينة تحظى باحترام أهل السلط وتقديرهم، باعتبارها مكاناً مقدساً له حرمته ومكانته في وجدانهم، ولم تكن هذه المواقف استثناءً يحتاج إلى تفسير، بل تعبيراً عن نهج أصيل اعتاد فيه الناس أن يصون بعضهم حرمة بعض، وأن يحترموا ويقدّروا حق الجميع في العبادة.
وأنا شخصياً، ما زلت أستحضر ذكريات طفولتي في السلط الأبيّة، مدينة التآخي بين الأديان، شأنها شأن مدن وفرى أردنية كثيرة عرفت المحبة ، فقد درست في روضة تتبع للكنيسة، كان معظم أطفالها من المسلمين، وتلقّينا فيها التعليم بالمجان، وكانت تُوزّع علينا وجبات الطعام يومياً. وأذكر كيف كنّا نلقي السلام على الرهبان حين نصادفهم في شوارع المدينة، بعفوية الأطفال الذين نشأوا على المحبة، ولم يعرفوا في اختلاف المعتقد سبباً للتباعد، ومضت السنوات، لكن تلك التفاصيل بقيت راسخة في ذاكرتي، شاهدةً على زمنٍ كانت فيه المودة تُترجم إلى عطاء، ويعبّر عنها حسن الجوار واحترام الآخر. وما زلت أعتز بهذه الذكريات، لأنها تجسّد معنى التعايش الحقيقي؛ حين تسبق المواقف الكلمات، وتغدو المحبة إرثاً تتناقله الأجيال.
هذه المواقف والذكريات جزء من الذاكرة الوطنية التي تروي كيف عاش الأردنيون معاً، وتقاسموا تفاصيل الحياة، وصانوا دور العبادة، وهي تؤكد أن وحدة المجتمع لا تقوم على تشابه أبنائه، بل على احترام حقوقهم ومعتقداتهم، والإيمان بأن الوطن يتّسع للجميع، وأن تاريخه المشترك يظلّ مسؤولية يتقاسمها أبناؤه ويحفظونها للأجيال القادمة.
وفي مواجهة الإرهاب، تتجاوز المسؤولية إدانة الجريمة إلى محاسبة مرتكبيها، ومواجهة الفكر الذي يستبيح الدماء باسم الدين، وترسيخ الوعي الذي يحمي المجتمع من التطرف، فالجهلة الذين يتخذون من شعارات الإيمان ستاراً للاعتداء على الإنسان، تكشف أفعالهم بُعدهم عن جوهر القيم الدينية والإنسانية؛ إذ لا تُصان الأديان بانتهاك حرمة دور العبادة، ولا يكون الإيمان ذريعة للقتل أو المساس بحقوق الآخرين وتظل سيادة القانون، والوعي في مواجهة التضليل، والتمسك بقيم الرحمة والعدل، ركائز أساسية لحماية المجتمع وتعزيز تماسكه، وصون الروابط التي تجمع أبناء الوطن.
وما شهدناه من وقفة الأردنيين إلى جانب أهل بلدة حمود، ومشاركتهم إياهم الحزن وتحملهم المسؤولية، ليس إلا تعبيراً صادقاً عن أصالة الروابط الوطنية وعمق الانتماء، وفي مثل هذه الظروف، تتجلى المواطنة في أصدق صورها، حين يلتفّ أبناء الوطن حول بعضهم في الشدائد، وتتحول مشاعر الأخوة إلى مواقف تحفظ كرامة الإنسان، وتعزّز الثقة المتبادلة، وتجسّد وحدة المجتمع في مواجهة المحن.
رحم الله جميع الضحايا الأبرياء الذين طالتهم يد الإرهاب، وعظّم الله أجر الأردنيين في هذا المصاب، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل. حمى الله الأردن، قيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والطمأنينة، وحفظ أبناءه جميعاً من كل سوء.