الكرك والإرهاب: ما وراء الاستهداف
د. عماد الحمادين
25-10-2026 01:28 PM
* الكرك في مواجهة الإرهاب: بين استهداف التماسك الوطني والحاجة إلى مراجعة استراتيجية مكافحة التطرف العنيف
تعرضت محافظة الكرك خلال السنوات الماضية لعمليات إرهابية عدة، كان أبرزها عملية قلعة الكرك عام 2016، التي استشهد فيها ابن الكرك البار سائد المعايطة، إلى جانب ثلة من رفاقه الشهداء. واليوم، تعود الكرك إلى واجهة الأحداث الأمنية مع حادثة إرهابية جديدة، استهدفت، وفق المعلومات المتداولة، كنيسة تُقام فيها مراسم عزاء في قرية حمود، تلك القرية الهادئة التي تمثل جزءاً من النسيج الاجتماعي الأردني المتماسك.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المهمة: ماذا يريد الإرهابيون من هذه العمليات؟ ولماذا تظهر الجماعات الإرهابية بين الحين والآخر لاستهداف مناطق مدنية وأهداف رخوة، بعيداً عن المواجهات العسكرية المباشرة؟ وهل الإرهاب غاية بحد ذاته، أم أنه وسيلة لتحقيق أجندات سياسية وأيديولوجية أوسع، قد تتستر أحياناً خلف شعارات دينية أو انقسامات طائفية؟
ماحدث في الكرك لا يمكن فصله عما يحدث في المنطقه حولنا من تداعيات امنيه وسياسيه وتحولات في موازين القوى. ولفهم هذه العملية يتطلب نجاوز حدود الحادثة الامنية المباشرة. ومن هذا المنطلق، لم يكن الارهاب زايقاع خسائر بشرية غاية بحد ذاته بل وسيلة لتحقيق اجنده سياسيه وايدلوجيه ، ترعاه قوى اقليميه ودوليه. وقد حارب الاردن داعش وأجندتها منذ ظهورها الاول ، واستطاع الأردن ضرب أوكار الجماعه الارهابيه داخل الأردن وخارج أراضيه ، واستطاع الأردن كذلك الثار من قتلة الطيار الشهيد باذن الله معاذ الكساسبة ابن الكرك. وبالتعاون مع الحلفاء، تم القضاء على ابو مصعب الزرقاوي ،راس الفتنه ، الذي اعلن الحرب على الأردن واهله وقيادته.ومع ذلك، فإن نجاح الأجهزة الأمنية والعسكرية في تفكيك الخلايا وإحباط المخططات لا يعني بالضرورة انتهاء التهديد. فالعمليات الإرهابية قد تتراجع في مرحلة، ثم تعود بأشكال مختلفة، تبعاً لتغير الظروف الإقليمية، وتطور أساليب التجنيد، وقدرة التنظيمات على استغلال الأزمات السياسية والاجتماعية.
العمليات ضد الأردن لم تتوقف ولن تتوقف ، لان الدوافع التي تحرك الارهابيون كثيره لا تتعلق بالدين او فتاوى غير شرعيه وانما باجندات دوليه هدفها تشويه سمعة الاسلام في المقام الاول، وارسال رساله خبيثه للخارج تقنع الرأي العالمي ان الأردن غير أمن لإخواننا المسيحيين ، وتضرب اقتصاد الأردن وخاصة السياحة الدينيه وغير الدينيه في مقتل. وليس ببعيد عن هذا السياق ماتقوم به اسرائيل من محاولات لتقويض الوصاية الملكية على المقدسات الاسلاميه والمسيحية ومحاولة إقناع العالم بان المسيحيين مضطهدين في الأردن. وذلك كرد فعل منها على الجهود الملكيه وخطابات الملك في عواصم الغرب التي عرت ديموقراطية اسرائيل المزيفه واداعائاتها التعايش السلمي.
اسرائيل الكبرى التي يبحث عنها نتن ياهو وتضم حسب الخرائط التي يحملها في جعبته دائما، الاردن وسوريا والعراق والكويت واجزاء من السعودية وحتى نهر الفرات، تثير تساؤلات عن حدود الطموحات الاسرائيلية وكيفية تحقيقها. قراءة سطحية لهذه الخريطة قد تثير السخرية بل والضحك احيانا باعتبار ان هذه دول معظمها مستقر ولديها سيادة واعتراف دولي وقانوني ، فكيف يمكن ان تحتلها اسرائيل ، أوان تقيم حلم دولتها التوراتية الكبرى. لكن القراءة معمقة تكشف ان اسرائيل لا تخطط لسنة او سنتين قادمات بل اكثر وابعد مما نتصور ،وقد يمتد الى عشرات السنوات، كما خططت لاحتلال فلسطين من قبل ونحن نرى التنيجة الان.
تعتمد اسرائيل في استراتيجتها لبناء الدولة الكبرى على مزيج من القوة الناعمة والخشنه ، واهم ادوات القوة الناعمه هي التركيز على مناطق الضعف والوهن في الدول المعادية لها و،من هنا يصبح التركيز على الاقليات الدينية والعرقية والاختلافات الاثنية بين مواطني الدول الواحدة هدف رئيسي يمكن ان تسخر اسرائيل ادواتها الاستخبارية لهو خير شاهد على ذلك ماتقوم به في سوريا الان والذي حذر منه جلالة الملك في خطابة الاخير. هذا تماما ما يمكن ان تقوم به اسرائيل أو اي دولة تريد زعزعة الاستقرار في الاردن المتجانس بين مكونات شعبة. فصحيح انه ليس في الاردن سرديةسني أو شيعي ولكن هناك فلسطيني واردني وهناك بدو وفلاحين وهناك مسلم ومسيحي يمكن الاستناد الى هذه الاختلافات في بث الفرقة واثارة النعرات بين مكونات الشعب التي تجانست بالاختلاط والانساب وطول العشرة.
ولكن ذلك لا يعني ان نقنع انفسنا ان الارهاب هو صناعة دولية فقط ، وان نسقط كل شيء على التدخلات الخارجية من اجل ان لا نقوم بالمسؤولية الاجتماعية والدينية التي تحتم علينا حماية شبابنا وابنائنا من التغرير بهم تحت مسميات براقة. الدراسات في هذا التخصص من العلوم الانسانية تشير الى ان الارهاب يرتبط بعوامل كثيرة، بعضها يتعلق بالشخص نفسة وقدراته الفكرية والنفسية ، وبعضها يتعلق بالمجتمع المحيط بالشخص نفسه وهناك عوامل ترتبط بمستوى اعلى وهو يتعلق بالبيئة الخارجية والاقليمية وظروف الحروب وتوازنات القوى الكبرى. صحيح ان دوافع المشغلين (الجماعات المسلحة وبعض الدول الراعية للارهاب) سياسية ، ولكن من يقوم بالعمل الارهابي هوانسان يتم تجنيدة من خلال العاطفة الدينية او الايدلوجيا السياسية دون الحاجة الى معرفة دوافع هؤلاء المشغلين . ومن هذا المنطلق يجب على المسؤولين والمعنيين بهذه القضايا التركيز على معالجة الجذور او مايسمى Root Causes) ( وعلينا ان نعترف ان استراتيجياتنا في مكافحة التطرف العنيف والارهاب قاصرة عن تحقيق الغايات التي وضعت من اجلها. وهذه الاستراتيجية التي في معظمها بقيت حبيسة الادراج لم تتم تحديثها او تطويرها ومتابعة اخر التطورات في هذا العلم.
التوجيهات الملكية الاخيرة فيما يتعلق باعادة النظر في هذه الاستراتيجيات يجب ان يتم توظيفها في هذه المرحلة والبناء عليها وتحديد كيفية قيام كل الوزرارت المعنية بتطبيقها. أستراتيجية الاردن ضد الارهاب والتطرف العنيف قد تستند الى البعد الامني والعسكري أكبر وتغفل الجانب الاستراتيجي بعيد المدى الذي يركز على معالجات ضمن فترات زمنية اطول وهو مايسمة الاستراتيجيات الناعمة
* الدراسات الاستراتيجية- الجامعة الاردنية