هل يكفي أن نشخّص الظاهرة؟ ومن يستمع إلى أهل الاختصاص؟
د. لينا جزراوي
25-10-2026 01:30 PM
في العام الماضي، عقدنا في الجمعية الفلسفية الأردنية مؤتمرنا الفلسفي الثالث عشر بعنوان «التفكير والفلسفة في مواجهة التكفير»، بمشاركة باحثين ومشتغلين بالفكر والفلسفة من تونس ومصر والمغرب ولبنان وسورية والعراق. قُدّمت خلاله أوراق بحثية مهمة وجذرية تناولت ظاهرة التكفير وآثارها المدمرة في المجتمعات العربية.
أتذكر أنني طلبت حماية أمنية خلال أيام المؤتمر؛ فقد شعرت أننا بصدد تحريك المياه الراكدة في العقل الجمعي، ومواجهة أفكار لا تحتمل السؤال أو الاختلاف. وقد كان لنا ما أردنا.
أقول هذا اليوم لأننا نعيش في منطقة تواجه تحديات خارجية وداخلية كبرى، ولا سبيل لمواجهتها من دون منعة داخلية تحصّن المجتمع من الفكر المتطرف، وترفض تكفير الآخر وشيطنته، وتحمي حق الإنسان في التفكير والسؤال والاختلاف.
نحن في الجمعية الفلسفية الأردنية لا نتوقف عن نشاطاتنا التنويرية، ونحرص على أن تكون مؤتمراتنا وفعالياتنا متصلة بقضايا المجتمع وأسئلته الراهنة. فالمشتغل بالفلسفة لا يكتفي بمراقبة الظواهر، بل يسعى إلى تفكيك بنيتها، والكشف عن جذورها، وفهم الشروط التي تسمح لها بالنمو والانتشار.
لكن هل يكفي أن نشخّص الظاهرة؟ هذا هو السؤال الكبير.
إن الفكر التكفيري لا يستهدف المسيحي لأنه يختلف عنه في العقيدة فحسب، بل يكفّر المسلم الذي لا يمارس الدين وفق تصوّراته وشروطه أيضًا. نحن إذن أمام بنية فكرية إقصائية لا تعترف بالاختلاف، وتسعى إلى إخضاع المجتمع كله لنموذج واحد من الإيمان والتفكير والحياة.
المشكلة أكبر من جريمة يرتكبها أفراد؛ إنها ظاهرة فكرية واجتماعية تستحق التشخيص الجاد، والبحث في منابعها، وشبكات دعمها، والبيئات التي تسمح لها بالانتشار، بما في ذلك أشكال التمويل والدعم والحاضنة الاجتماعية التي قد تتعاطف معها أو تتسامح مع خطابها.
ومن هنا، يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه أصحاب القرار على أنفسهم: لماذا لا نستعين بالفلاسفة وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا لفهم هذه الظواهر وتشخيصها؟
في دول كثيرة، تستعين مؤسسات صنع القرار بالخبراء في العلوم الإنسانية والاجتماعية لفهم المجتمع، وتحليل التحولات التي يشهدها، واستشراف المخاطر التي تهدد تماسكه. فلماذا لا تكون للفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا مكانة حقيقية في سياساتنا العامة، وفي مواجهة التطرف وخطاب الكراهية؟
لا يمكن معالجة ظاهرة لا نفهمها، ولا يمكن اجتثاث فكر إقصائي من دون تفكيك جذوره وشروط إنتاجه وإعادة إنتاجه. فالمواجهة الأمنية، على أهميتها، لا تغني عن المواجهة الفكرية والتربوية والاجتماعية، ولا تحمي المجتمع وحدها من عودة الظاهرة بأشكال جديدة.
إن حماية السلم المجتمعي لا تبدأ بعد وقوع الجريمة فحسب، بل تبدأ قبلها: من المدرسة والجامعة، ومن المناهج التعليمية، ومن تفكيك الخطاب الذي يشرعن الكراهية، ومن بناء عقل نقدي لا يخاف السؤال ولا يرى في الاختلاف تهديدًا.
نحن، بوصفنا مؤسسة فكرية، نضع معرفتنا وخبرتنا في خدمة مجتمعنا، ونحاول أن نكون جزءًا من الحل، لا مجرد جهة تحذّر من المشكلة.
لكن يبقى السؤال الذي أطرحه بوضوح:
إذا كانت لدينا الكفاءات القادرة على فهم هذه الظواهر وتشخيصها، وإذا كنا نضع معرفتنا في خدمة المجتمع، فلماذا لا يستعين بنا أصحاب القرار؟
هل ننتظر وقوع الكارثة كي نبحث عن أسبابها، أم نمتلك الشجاعة للاستماع إلى أهل الاختصاص قبل فوات الأوان؟
نحن مستعدون لتقديم علمنا ومعرفتنا لخدمة مجتمعنا. لكن هل هناك من يريد أن يستمع !!
* رئيسة الجمعية الفلسفية الأردنيةً