facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن لا يجمعه أصلٌ واحد ولا دينٌ واحد، بل مصيرٌ واحد


هيفاء الخريشا
25-10-2026 01:35 PM

ليس للوجع مراتب، لكن بعض الوجع لا يُحتمل: أن يُستهدف الإنسان وهو يودّع عزيزاً، أو يشارك في فرح، أو يقف خاشعاً في بيت من بيوت الله.

ومن يفعل ذلك لا يريد قتل أفراد فقط. يريد أن يقتل الفكرة التي يقوم عليها هذا البلد: أن يعيش الناس معاً، وأن يأمن المختلفون بعضهم لبعض، وأن تبقى الكنيسة والمسجد على الطريق نفسه دون أن يخاف أحدهما من الآخر.

في الكرك لم تُستهدف عائلات مسيحية وحدها، بل استُهدف الأردن كله. رحلت أرواح بريئة، وبقي خلفها وطن يبكي بصوت واحد.

إلى أهلنا في الكرك، وإلى أسر الشهداء، وإلى إخوتنا المسيحيين: لستم ضيوفاً في هذا الوطن، ولا “أقلية” تحتاج إلى من يطمئنها. أنتم من أقدم أهل هذه الأرض. كنتم على ترابها قبل أن تُرسم الحدود، وستبقون فيها بعد أن يُنسى القتلة. مصابكم مصابنا، ودمكم دمنا. والكرك ليست وحدها، فالأردن جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.

لكن الوفاء للشهداء لا يكون بالدموع وحدها. الوفاء أن نعرف الحقيقة كاملة.

من عرس عمّان إلى جنازة الكرك

لم ننسَ أعراس عمّان التي تحولت عام 2005 إلى مأتم. واليوم يُستهدف المشيّعون داخل كنيسة في الكرك.


الرسالة واحدة في الحالتين. في العرس يحتفي الناس بالحياة، وفي الجنازة يودّعون من غادرها، والإرهاب يريد أن يقول لنا إنه لا مكان آمن: لا الفرح ولا الحزن ولا بيت الله.

وجوابنا يجب أن يكون واحداً أيضاً: هذا البلد يحمي المقدسات داخل و خارج حدوده-و الأردنيون ليسوا مجتمع طارىء يتم التلاعب به.

السؤال الذي يجب أن يُطرح: هل نحن أمام جريمة معزولة تعكس أمراض مرتكبيها أم أن وراء ما حدث أكثر مما يظهر، سواء من تنظيم أرهابي عابر للحدود او لمصالح اخرى خبيثة من أطراف
تريد الأردن ضعيفاً ومنقسماً حتى يسهل فرض الحلول عليه.

لست من محبي نظرية المؤامرة إلا أن تجاهل احتمالها في هذا التوقيت سذاجة لا نملك ترفها.

يأتي هذا الدم والأردن يستعد لأن يستقبل العالم عام 2030 في المغطس، لإحياء الذكرى الألفين لمعمودية السيد المسيح عليه السلام، سيكون ذلك أكبر شهادة دولية على أن هذه الأرض أرض التقاء، وأن المسيحية ليست غريبة عنها، بل وُلدت تقاليدها الأولى على ضفاف نهرها.

فهل يصادف أن تُضرب كنيسة أردنية في هذا السياق بالذات؟ وأن يحدث ذلك في لحظة يتصاعد فيها الموقف الأردني من القدس والتهجير وحرب غزة؟

التوقيت ليس دليلاً، لكنه سؤال، والأسئلة الجادة لا تُدفن احتراماً لأحد.

الجريمة الثانية تُرتكب على الشاشات

الرصاصة تقتل مرة واحدة. أما الشائعة فتقتل كل يوم.

تبدأ الجريمة بالسلاح، ثم تُستثمر بخبر كاذب، وتتّسع بتعليق طائفي، وتكتمل بفتنة يزرعها من لم يحمل سلاحاً في حياته، وأحياناً من حساب لا نعرف من يقف خلفه ولا من أين يكتب.

فلا تكونوا ذخيرة مجانية لمن أراد ضرب الأردن. ومن يوزّع الكراهية اليوم، وإن ظن أنه يدافع عن دينه أو عشيرته أو أصله، يقوم مجاناً بالمهمة التي عجز عنها القاتل.

قبل أن تنشر، اسأل نفسك: من أين جاءت هذه المعلومة؟ من المستفيد من انتشارها؟ وهل تخدم الحقيقة أم تخدم من يريد لنا أن نتمزق؟

درس «داعش» الذي لا يجوز نسيانه

علّمتنا تجربتنا مع «داعش»، من تفجيرات الفنادق إلى استشهاد معاذ الكساسبة، ان الإرهاب لا يكتفي بقتل ضحاياه. إنه يستثمر دماءهم ليصنع الخوف ويبتز الدولة ويقسم المجتمع.

وعلّمتنا أيضاً أن الأردن يخرج من كل ضربة أكثر تماسكاً. هذا ليس بطولة عاطفية، بل لأن أبناءه يفهمون في اللحظة الحاسمة أن العدو يراهن على انقسامهم.

وحدة المصير لا وحدة الأصل

هناك من يريد إقناعنا بأن قوة الأردن في إقصاء جزء من أهله، أو بأن العلاقة الأردنية الفلسطينية صراع أبدي. وهذا بالضبط ما يتمناه كل من يريد الأردن ضعيفاً. وليس صدفة أن من يروّج لـ”الوطن البديل” هناك هو نفسه من يفرح بكل شرخ هنا.

الدفاع عن الأردن لا يحتاج إلى عداء مع الفلسطينيين، ونصرة فلسطين لا تحتاج إلى التشكيك في أردنية الأردنيين. الأردني والفلسطيني، والمسلم والمسيحي، والبدوي و الشركسي والفلاح والمدني، لم يجمعهم أصل واحد ولا دين واحد، بل جمعهم مصير واحد. وهذا المصير يُستهدف اليوم.

الدولة والملك: وحدة الموقف

في مواجهة الخطر نحتاج إلى الدولة بمؤسساتها وإلى القيادة بوصلةً.

والالتفاف حول جلالة الملك عبدالله الثاني ليس شعاراً، بل خيار استراتيجي. هو تمسك بدولة رفضت أن تكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين، وبقيت ثابتة على موقفها من القدس والتهجير رغم الضغوط. ومن يضرب استقرارها اليوم يضرب هذا الموقف.

وهذا وقت نُثبت فيه بالفعل لا بالقول معنى أن تكون أردنياً:

ربما ظن القاتل، ومن قد يقف خلفه، أن ضرب كنيسة في الكرك سيشعل حرباً بين أبناء البلد الواحد. لكنه لا يعرف الأردن ، ولا يعرف الكرك بالذات. الكرك التي وقف فيها المسلم والمسيحي معاً في وجه كل غازٍ عبر القرون لن تتعلم الكراهية الآن.

الإرهاب لا ينتصر إلا إذا حوّل الحزن إلى كراهية والخوف إلى انقسام. فإن خرجنا من هذه المحنة أشدّ تمسكاً بالدولة والحقيقة والعدالة، يكون قد خسر معركته قبل أن يبدأها، هو وكل من راهن عليه.

رحم الله شهداء الكرك، وألهم ذويهم الصبر، ومنّ على الجرحى بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن وارضا و قيادة و شعبا جميعا من كل سوء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :