facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




صكوك التمويل الإسلامي في الأردن .. ضرورة تحديث القانون قبل اتساع الفجوة


د. محمد فخري صويلح
18-10-2026 02:37 PM

بعد أربعة عشر عاماً على صدور قانون صكوك التمويل الإسلامي الأردني رقم (30) لسنة 2012، بات من الضروري إخضاع هذا التشريع لمراجعة مؤسسية شاملة، لا لأن القانون أخفق في تأسيس المشروعية القانونية للصكوك، بل لأن التطورات الفقهية والتنظيمية في صناعة التمويل الإسلامي تفرض الانتقال من مجرد إجازة الإصدار إلى بناء منظومة تشريعية تضبط حقوق الملكية والمخاطر والحوكمة طوال دورة حياة الصك.

وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة في ضوء مسودة المعيار الشرعي رقم (62) بشأن الصكوك، الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (الأيوفي) بتاريخ 6 نوفمبر 2023، والتي لا تزال، وفق الوثيقة محل الدراسة، مسودة غير معتمدة وغير نافذة. ومع ذلك، فإن ما تطرحه من معالجة لمسائل الملكية والضمانات والتعهدات والتداول والإفلاس والحوكمة يستحق دراسة تشريعية استباقية، دون التعامل معه بوصفه التزاماً معيارياً نافذاً، فالتحدي الحقيقي أمام الأردن ليس إصدار مزيد من الصكوك، بل بناء منظومة قانونية تجعل الصك أداة ملكية واستثمار حقيقية، لا مجرد التزام مالي يرتدي ثوب التمويل الإسلامي.

ولا تقف آثار الفجوة التشريعية عند حدود الامتثال الشرعي، بل تمتد إلى تكلفة التمويل، وقابلية الصكوك للتصنيف والتسويق، وثقة المستثمر المؤسسي، وكفاءة السوق الثانوية،،، فكلما ازدادت درجة اليقين القانوني بشأن ملكية الموجودات وحقوق حملة الصكوك عند التعثر، أصبحت البيئة الاستثمارية أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل، دون أن يعني ذلك بالضرورة انخفاض تكلفة التمويل في جميع الإصدارات.

قانون متقدم في تأسيسه يحتاج إلى تطوير في تطبيقاته

شكّل القانون الأردني لسنة 2012 خطوة تشريعية مهمة؛ فقد عرّف الصكوك بأنها حصص شائعة في ملكية المشروع، وأقر مشاركة حملة الصكوك في الغنم والغرم، ونظّم الشركات ذات الغرض الخاص، وأوجد هيئة رقابة شرعية مركزية، وأرسى أحكاماً لاستقلال الذمة المالية للمشروع وحماية حقوق المستثمرين.

وهذه مرتكزات لا يجوز تجاهلها عند تقييم التشريع؛ إذ إن المشكلة ليست غياب الاعتراف القانوني بالملكية، وإنما مدى كفاية الأحكام القائمة لإثبات انتقالها ونفاذها في مواجهة الغير، وحمايتها عند التعثر والإفلاس، وربطها بحقوق التصرف والعوائد وتحمّل المخاطر.

فالمادة (12)، مثلاً، تقرر استقلال الذمة المالية للمشروع عن الجهة المصدرة، وهو ضمان تشريعي مهم، لكنه لا يغني وحده عن تنظيم تفصيلي لحجية نقل الموجودات، وترتيب حقوق الدائنين، وآليات استرداد الأصول عند الإخلال بالتزامات الإصدار.

ومن هنا، فإن التحديث المطلوب ينبغي أن يستكمل البناء القانوني القائم، لا أن يبدأ من افتراض افتقاره إلى الأسس الشرعية.

الملكية الحقيقية،،، الاختبار القانوني الأهم.

تضع مسودة المعيار (62) ملكية موجودات الصكوك في مركز العلاقة التعاقدية، وتربطها بحقوق التصرف واستحقاق العوائد وتحمّل تبعة الهلاك والخسارة، مع اشتراط صحة التصرفات ونفاذها شرعاً وقانوناً.

وتذهب المسودة إلى معالجة الحالات التي يتعذر فيها تسجيل الموجودات باسم حملة الصكوك أو من يمثلهم لأسباب قانونية أو إجرائية، من خلال اشتراط ضمانات تحفظ حقيقة الملكية وحقوق أصحابها.

وهنا تظهر ضرورة تطوير القانون الأردني باتجاه تحديد الآثار القانونية لكل من الملكية المباشرة والملكية بواسطة الشركة ذات الغرض الخاص، وإقرار وسائل إثبات نافذة في مواجهة الغير، وتوضيح المركز القانوني للموجودات عند إعسار الجهة المنشئة أو إفلاسها.

فالملكية التي لا يستطيع حامل الصك إثباتها أو الاحتجاج بها أو حماية آثارها عند التعثر، تبقى ملكية ناقصة الحماية مهما بلغت دقة صياغتها التعاقدية،،، ولا يعني ذلك اشتراط نقل الملكية المسجلة بالصورة ذاتها في جميع الهياكل؛ فطبيعة الموجودات والحقوق تختلف،،، وإنما المطلوب معيار قانوني واضح يثبت حقيقة الحق وآثاره، ويمنع الفصل المصطنع بين الملكية ومخاطرها.

ومن منظور فقهي وقانوني واستثماري، فإن سلامة هيكلة الصكوك تستوجب إخضاعها لثلاثة اختبارات متكاملة،،، اختبار الملكية للتحقق من انتقال الحقوق ونفاذها في مواجهة الغير، واختبار المخاطر للتأكد من توافق توزيع العوائد والخسائر مع طبيعة العقد الشرعي، واختبار الحماية لضمان قابلية إنفاذ حقوق حملة الصكوك عند التعثر والتصفية،،، فالصك السليم ليس ما استوفى شروط الإصدار فحسب، بل ما اجتاز اختبارات الملكية والمخاطر والحماية طوال دورة حياته.

ضبط الإصدار والضمانات والتعهدات

تُعد الضمانات والتعهدات بالشراء من أكثر المسائل حساسية في صناعة الصكوك؛ لأنها قد تنقل المخاطر عملياً من المستثمر إلى الجهة المنشئة، وتحول بعض الهياكل الاستثمارية إلى ترتيبات تقترب اقتصادياً من المديونية التقليدية.

وقد أجاز القانون الأردني، في المادة (15)، وجود متعهد إعادة شراء أو استرداد بشرط عدم التعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، بينما تتجه مسودة المعيار إلى تفصيل القيود الشرعية على الضمانات والتعهدات بحسب طبيعة العقود والموجودات.

والمطلوب تشريعياً ليس الحظر المطلق للتعهدات، بل تحديد الحالات الجائزة وضوابط التسعير والمسؤولية والتعويض، والتمييز بين ضمان التعدي أو التقصير أو مخالفة الشروط، وبين ضمان مخاطر الاستثمار التي يتحملها أصحاب رأس المال وفق طبيعة العقد.

كما ينبغي إلزام الجهات المصدرة بالإفصاح عن التكييف القانوني والشرعي للصك، وطبيعة الموجودات، ومصدر العوائد، وآلية توزيع الخسائر، وحدود الرجوع على الجهة المنشئة،،، فكل ضمان يُفرغ الصك من مخاطره الاستثمارية يثير سؤالاً جوهرياً حول حقيقة العقد، مهما كانت سلامة الوثائق التي تحيط به.

التداول والتصفية،،، الحوكمة لا تنتهي عند الإصدار

أقر القانون الأردني قابلية الصكوك للتداول، وأحال تنظيمها إلى التعليمات ذات العلاقة، ومنها تعليمات تداول الصكوك لسنة 2023،،، غير أن قابلية التداول القانونية لا تعني بالضرورة جواز التداول شرعاً في كل مرحلة من مراحل الإصدار.

فالحكم الشرعي يتأثر بطبيعة الموجودات الممثلة للصكوك، وما إذا كانت أعياناً أو منافع أو نقوداً أو ديوناً أو خليطاً منها، وبالتغير الذي يطرأ على مكوناتها أثناء التشغيل.

ولذلك، تبرز الحاجة إلى نظام إفصاح دوري يحدد طبيعة الموجودات ومكوناتها، ويضبط استمرار أهلية الصكوك للتداول وفق الضوابط الشرعية المعتمدة، مع إجراءات واضحة عند تغير هذه الأهلية.

أما عند الإطفاء والتصفية، فينبغي التمييز بين الاسترداد التعاقدي المشروع، وبيع الموجودات، والتصفية المبكرة، وحالات التعثر والإفلاس، مع تحديد أولوية الحقوق وآلية التقييم المستقل وتسوية المنازعات،،، فالسوق المنضبطة للصكوك لا تقاس بسلامة الإصدار وحده، بل بقدرتها على حماية المستثمر عند التداول والتعثر والتصفية.

من الرقابة الشرعية إلى الحوكمة المؤسسية المتكاملة

يمتلك الأردن أساساً مهماً للرقابة الشرعية المركزية بموجب المادتين (4) و(5) من القانون، بما يشمل إبداء الرأي في الإصدارات والتحقق من استمرار الالتزام الشرعي حتى الإطفاء.

لكن فعالية هذا النموذج تتطلب تطوير أدواته التنفيذية، بحيث تتكامل الرقابة الشرعية مع إدارة المخاطر والتدقيق الداخلي والإفصاح المالي والرقابة التنظيمية، دون الخلط بين مسؤوليات هذه الجهات.

وينبغي أن تشمل الحوكمة تحديد مسؤوليات الجهة المنشئة والمصدر وأمين الإصدار والشركة ذات الغرض الخاص، وتنظيم تعارض المصالح، وإقرار تقارير امتثال دورية، وآليات تصعيد المخالفات ومعالجتها.

كما يجب أن يمتد نطاق المراجعة إلى حقوق حملة الصكوك في المعلومات والتمثيل واتخاذ القرارات الجوهرية، خصوصاً عند إعادة الهيكلة أو تعديل شروط الإصدار،،، فالحوكمة الشرعية ليست شهادة تُمنح عند الاكتتاب، وإنما مسؤولية مستمرة تبدأ قبل الإصدار ولا تنتهي إلا بالتسوية النهائية لحقوق حملة الصكوك.

ثلاثة قرارات تنفيذية لتطوير المنظومة الأردنية

إن الانتقال من تشخيص الفجوات إلى الإصلاح التشريعي يتطلب ثلاثة قرارات محددة، قابلة للتنفيذ والقياس:

القرار الأول: تشكيل لجنة وطنية لمواءمة تشريعات الصكوك خلال 90 يوماً.

تتولى هيئة الأوراق المالية، بالتنسيق مع البنك المركزي الأردني ودائرة الإفتاء العام والجهات القانونية المختصة، إعداد مصفوفة مقارنة بين القانون وأنظمته وتعليماته ومسودة المعيار (62)، وتصنيف الفجوات وفق أثرها الشرعي والقانوني والاستثماري، وتقديم مشروع تعديلات تشريعية وتنظيمية متكامل.

القرار الثاني: إعداد مشروع إطار تشريعي وتنظيمي متكامل لحماية الملكية وحقوق حملة الصكوك خلال ستة أشهر.

يتضمن أحكاماً واضحة لنقل الموجودات وإثبات الملكية والفصل المالي وحماية الحقوق عند الإفلاس، وضوابط التعهدات والضمانات والتقييم والتصفية، مع تحديد المسائل التي تستلزم تعديلاً قانونياً وتلك التي يمكن معالجتها بأنظمة وتعليمات.

القرار الثالث: إطلاق إطار رقابي موحد لدورة حياة الصكوك خلال تسعة أشهر.

يشمل الإفصاح المستمر عن التغيرات الجوهرية في مكونات الموجودات وأثرها على أهلية التداول الشرعي، والرقابة الشرعية المبنية على المخاطر، والتدقيق المستقل، وإدارة التعثر، ومؤشرات أداء تقيس الالتزام وجودة الحوكمة وحماية المستثمرين، مع تطبيقه تدريجياً على الإصدارات الجديدة.

الإصلاح التشريعي بوابة بناء السوق

إن مواءمة قانون صكوك التمويل الإسلامي الأردني مع التطورات التي تطرحها مسودة المعيار (62) ليست استجابة شكلية لتوجه فقهي جديد، بل فرصة لإعادة تقييم البنية القانونية والتنظيمية للصكوك، وتعزيز قدرتها على تمويل المشروعات الإنتاجية والبنية التحتية والاستثمارات التنموية.

ولا ينبغي أن يكون الهدف نسخ المسودة إلى القانون، وإنما بناء توافق مدروس بين مقتضيات الشريعة الإسلامية، وقواعد القانون الأردني، ومتطلبات حماية المستثمرين، وكفاءة أسواق رأس المال.

فالأردن يمتلك أساساً تشريعياً يمكن البناء عليه، لكن تحويل الصكوك إلى صناعة وطنية مستدامة يتطلب حسم مسائل الملكية والمخاطر والحوكمة، وتطوير سوق ثانوية موثوقة، وربط الإصلاح التشريعي بسياسة وطنية واضحة لتطوير سوق الصكوك.

والقرار المطلوب اليوم ليس انتظار اعتماد المعيار، وإنما المبادرة إلى مراجعة القانون والاستعداد المؤسسي لما قد تفرضه المرحلة المقبلة من متطلبات.

*مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار والتحول المؤسسي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :