نظرة في كتاب الفلسطينيون في الكويت
18-10-2026 03:04 PM
عمون - قراءة سامر المعاني - يأتي كتاب "الفلسطينيون في الكويت" للكاتب سليم النجار محاولةً لاستعادة تجربة إنسانية واجتماعية تتجاوز حدود التوثيق التاريخي لتلامس الذاكرة الفلسطينية في امتداداتها العربية، وتكشف عن ملامح حياة تشكّلت بين الحنين إلى الوطن والتفاعل مع المكان الجديد.
منذ الإهداء الذي يستحضر حيفا بوصفها «قبلة الحرية وصالة الأحرار»، يضع الكتاب القارئ أمام حضور فلسطين المستمر في الذاكرة؛ فالمكان الفلسطيني ليس جغرافيا بعيدة فحسب بل قيمة وجدانية ورمز للحرية والكرامة ومرجعية روحية تعود إليها الذاكرة مهما ابتعدت المسافات.
فالرحيل عن المكان لا يعني الانفصال عنه والإقامة في مكان آخر لا تلغي الجذور الأولى بل تمنحها أشكالًا جديدة من الحضور والتعبير.
وفي تناوله للحياة الفلسطينية في الكويت يفتح سليم النجار نافذة على مجتمع تشكّل عبر العمل والتعليم والصداقات والتفاعل اليومي مع المحيط الاجتماعي.
فلا تبدو التجربة الفلسطينية مجرد حكاية اغتراب بل تجربة بناء ومشاركة وإسهام في الحياة العامة بما حملته من طموحات وتحديات فرضتها التحولات السياسية والاجتماعية.
وتكتسب التفاصيل اليومية أهمية خاصة في الكتاب فالحديث عن الأحياء والمدارس والسينما والعلاقات الإنسانية ليس استطرادًا بعيدًا عن الموضوع، بل محاولة لفهم المجتمع من الداخل، عبر الأماكن التي عاش فيها الناس والعادات التي ألفوها والأحلام التي رافقت خطواتهم. ومن هنا تتجاوز قيمة هذه التفاصيل حدود الحكاية الشخصية لتصبح جزءًا من ذاكرة اجتماعية تحفظ ملامح مرحلة لا ينبغي أن تتوارى مع مرور الزمن.
كما تتجلى أهمية الكتاب في استعادة العلاقة بين الفلسطيني والمكان العربي الذي احتضنه بعيدًا عن اختزال تجربة اللجوء والاغتراب في الألم وحده. فالحياة رغم قسوة الظروف السياسية تواصل إنتاج المعرفة والإبداع والصداقة والعمل ويصبح الحضور الفلسطيني في الكويت جزءًا من تاريخ اجتماعي مشترك قامت ملامحه على التفاعل الإنساني والثقافي.
ولا ينفصل هذا البعد عن الوعي بالقضية الفلسطينية؛ فاستحضار حيفا يعيد التأكيد على أن فلسطين قضية أرض وذاكرة وحق وأن التفاصيل الشخصية لا تنفصل عن التحولات الكبرى التي تصنع مصائر الشعوب.
إن كتاب "الفلسطينيون في الكويت" ليس مجرد استعادة لمرحلة مضت بل محاولة للإمساك بما يبقى من الإنسان في الأمكنة التي يعبرها، وما تحتفظ به الذاكرة من وجوه وحكايات. وتكمن قيمته في تذكيرنا بأن تاريخ الشعوب لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضًا حياة الناس وأحلامهم وتفاصيلهم الصغيرة فالأوطان قد تتباعد جغرافيًا، لكن الذاكرة الصادقة تظل جسرًا يصل الإنسان بجذوره ويحمي الحكايات من النسيان.