facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الصيد إلى الاستقرار: حين بدأ الإنسان يبني موطنه


د. بركات النمر العبادي
11-10-2026 03:53 PM

*ومن هنا تبدأ الحكاية .. حكاية الأردن قبل أن يكون اسمًا

السردية الاردنية/ تسلسل (2)

لم يكن انتقال الإنسان من حياة الصيد وجمع الغذاء إلى الزراعة والاستقرار مجرد تحول في طريقة الحصول على الطعام؛ كان واحداً من أعظم التحولات التي غيّرت علاقة الإنسان بالأرض، وبالأسرة، وبالجماعة، وبالمكان الذي يعيش فيه.

وفي الأردن، يمكن قراءة هذا التحول من خلال عدد من المواقع الأثرية التي تكشف أن المنطقة كانت جزءاً مهماً من التحولات التي شهدها جنوب بلاد الشام خلال العصر الحجري الحديث. فقد بدأت جماعات بشرية، قبل آلاف السنين، تنتقل تدريجياً من التنقل وراء مصادر الغذاء إلى الاستقرار في مواقع أكثر ثباتاً، مع ظهور الزراعة وتدجين الحيوانات وتطور أنماط السكن (Kuijt, 2008).

ولم يحدث هذا التحول دفعة واحدة. فالمجتمعات المبكرة عرفت مراحل انتقالية طويلة، استمرت خلالها أنماط الصيد وجمع النباتات البرية إلى جانب بدايات الزراعة وتدجين الحيوان. وتشير الأدلة الأثرية من بلاد الشام إلى أن عملية الاستقرار كانت تدريجية ومعقدة، ولم تكن مجرد استبدال مفاجئ للصيد بالزراعة (Bar-Yosef & Belfer-Cohen, 1989).

الزراعة... حين أصبحت الأرض أكثر من مكان ، عندما بدأ الإنسان يزرع الأرض، تغيّرت طبيعة العلاقة بينه وبين المكان ، هنا لم تعد الأرض مجرد مساحة يمر بها الانسان بحثاً عن الماء والغذاء، بل أصبحت مرتبطة بالعمل والإنتاج والاستقرار. وصارت دورة الزراعة مرتبطة بدورة حياة الجماعة نفسها : إعداد الأرض، الزراعة، الانتظار، الحصاد، التخزين.

وتكشف مواقع العصر الحجري الحديث في الأردن عن هذا التحول بصورة واضحة. ففي عين غزال، التي بدأت الاستيطانات فيها خلال الألف الثامن قبل الميلاد تقريباً، عاش مجتمع مستقر مارس الزراعة وتربية الحيوانات، وطوّر مساكن ومرافق جماعية وطقوساً ورموزاً اجتماعية معقدة نسبياً (Rollefson, 1998).

وهنا تظهر نقطة مهمة: الاستقرار لم يكن مجرد بناء بيوت، بل كان بداية بناء المجتمع. فالإنسان المستقر يحتاج إلى قواعد لتنظيم العمل، وتقسيم للمهام، وأشكال من التعاون، وآليات للتعامل مع الموارد والمخاطر. ومع تكرار هذه العلاقات تتشكل العادات، ثم الأعراف، ثم أنماط التنظيم الاجتماعي.

ومن التحولات الاخرى، عملية تدجين الحيوان... شراكة جديدة مع الطبيعة ، وقد كان تدجين الحيوانات تحولاً آخر في علاقة الإنسان بالطبيعة. فالحيوان لم يعد مجرد مصدر للصيد، بل أصبح جزءاً من الاقتصاد المنزلي والمجتمع المستقر. وتشير الأدلة من مواقع العصر الحجري الحديث في بلاد الشام إلى تطور تدريجي في تربية الأغنام والماعز وغيرها، بالتوازي مع التحولات الزراعية والاستقرار البشري (Zeder, 2008).

وهكذا بدأ الإنسان ينتقل من اقتصاد يقوم بدرجة كبيرة على استخراج الموارد من الطبيعة إلى اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على إدارة الموارد وإنتاجها. وهذا التحول ستكون له نتائج بعيدة المدى: زيادة الاستقرار، نمو السكان، ظهور المخازن، تطور الملكية أو السيطرة على الموارد، وازدياد الحاجة إلى تنظيم العلاقات داخل الجماعة.

القرية الأولى... ولادة المجتمع المحلي ، فمع الاستقرار، ظهرت الحاجة إلى مكان مشترك للحياة. فالبيت لم يعد مجرد مأوى مؤقت، بل أصبح وحدة اجتماعية. ومجموعة البيوت أصبحت قرية. والقرية بدأت تحتاج إلى تنظيم للعلاقات بين سكانها.

وتظهر في مواقع أردنية مبكرة شواهد على هذا الانتقال من المسكن الفردي إلى مجتمع أكثر تعقيداً. ويعد عين غزال من أبرز الأمثلة؛ إذ كشفت التنقيبات عن مستوطنة واسعة نسبياً ومبانٍ ومرافق تعكس حياة جماعية متطورة (Rollefson & Simmons, 1984).، ومن هنا يمكن القول إن القرية كانت أكثر من تجمع للمساكن؛ كانت نواة أولية لمؤسسة اجتماعية.فالناس أصبحوا مرتبطين بمكان واحد، وبمصالح مشتركة، وبموارد ينبغي حمايتها وإدارتها، وبذاكرة مشتركة تتكون مع مرور الأجيال.

وأدى الاستقرار أيضاً إلى إعادة تشكيل الحياة الأسرية. و بدأت الأسرة تتغير ،فالبيت المستقر وفر إطاراً أكثر ثباتاً لتربية الأطفال، وتقسيم العمل، ونقل المهارات والمعرفة من جيل إلى آخر. ومع ظهور الزراعة وتربية الحيوان، أصبح العمل مرتبطاً بالمواسم، وأصبح نقل الخبرة ضرورياً لبقاء الجماعة.

وهنا بدأت المعرفة تتحول إلى تراث اجتماعي. فالمجتمع لا يعيش على الموارد وحدها؛ بل يعيش أيضاً على ما يعرفه أفراده، وما يتعلمه الأبناء من الآباء، وما تحفظه الجماعة من خبرات تراكمت عبر الزمن. وهذا أحد الجذور العميقة لفكرة الاستمرارية الاجتماعية التي ستصبح لاحقاً عنصراً أساسياً في تكوين المجتمعات والحضارات.

ولم يكن الإنسان في تلك المرحلة مشغولاً بالطعام والمأوى وحدهما. فقد انتقل من البقاء إلى بناء المعنى ، فالاكتشافات الأثرية في عين غزال ومواقع أخرى تشير إلى وجود ممارسات رمزية وطقوس مرتبطة بالموت والذاكرة والجماعة. وتُعد تماثيل عين غزال الجصية من أبرز الأدلة على قدرة هذه المجتمعات على إنتاج رموز تتجاوز الوظيفة المادية المباشرة (Rollefson, 1998).

وهذا مهم في فهم نشوء المجتمع ؛ لأن الإنسان لا يبني جماعة من خلال الاقتصاد فقط ، وإنما يبنيها أيضاً من خلال المعنى والرمز والذاكرة. فحين تتشارك الجماعة في مكان، وفي العمل، وفي الطقوس، وفي الذاكرة، يبدأ المكان نفسه في اكتساب معنى يتجاوز الجغرافيا.

يعد الاستقرار المسؤولية الاجتماعية ، تعد المرحلة بوصفها بداية مبكرة لفكرة المسؤولية الجماعية.فالقرية الزراعية تحتاج إلى حماية مواردها، وتنظيم أعمالها، ومواجهة مخاطر الجفاف، وتخزين الغذاء، ورعاية الأطفال وكبار السن، والتعامل مع النزاعات الداخلية.وهذه النقلة التاريخية تحمل معنى بالغ الأهمية في فهم تطور المجتمعات: كلما زاد استقرار الإنسان، ازدادت حاجته إلى التعاون والتنظيم والثقة المتبادلة.

وليس المقصود بذلك إسقاط مفاهيم الدولة الحديثة على مجتمعات ما قبل التاريخ، وإنما الإشارة إلى جذور بعيدة لظاهرة ستتطور لاحقاً إلى مؤسسات وأعراف وقواعد اجتماعية أكثر تعقيداً. وهكذا، فإن التحول من الصيد إلى الاستقرار كان في جوهره انتقالاً:

- من الحركة إلى المكان،
- ومن الاستهلاك إلى الإنتاج،
- ومن الجماعة الصغيرة إلى القرية،
- ومن المأوى المؤقت إلى البيت،
- ومن المعرفة الفردية إلى الخبرة المتوارثة.

ومن هنا تبدأ قصة جديدة في تاريخ الأرض الأردنية. لم يعد الإنسان يعيش في المكان فحسب؛ بل بدأ يبني المكان ويُعيد تشكيله وفق حاجاته، ويترك فيه آثار حياته وذاكرته.وهذه هي اللحظة التي أصبح فيها الموطن أكثر من أرض.

ومن المجتمع ستولد لاحقاً أشكال أكثر تعقيداً من التنظيم ، وستظهر المدن ، وتتطور التجارة ، وتبرز الممالك ، وتتداخل الحضارات.
لكن البداية كانت هنا...

حين قرر الإنسان في الاردن أن يتوقف عن الرحيل ، وأن يزرع الأرض، وأن يبني بيتاً، وأن يجعل من المكان موطناً وشكل مجتمعا في مسطوطنة وهنا بدأ الانسان في الاردن الحكاية .

حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة

حزب المحافظين الاردني - الأمين العام المساعد للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :