هل يصبح فيتامين د جزءًا من علاج سرطان البنكرياس؟ .. دراسة تفتح باب الأمل
04-10-2026 04:37 PM
عمون - اختبرت تجربة سريرية صغيرة، قادها باحثون في معهد "دانا فاربر" للسرطان، استراتيجية علاجية انطلقت من اكتشافات مخبرية في معهد "سولك".
وتقوم الفكرة على تنشيط مستقبِل فيتامين د لتغيير البيئة الواقية المحيطة بأورام البنكرياس، ما قد يجعل هذا السرطان العصيّ أكثر عرضة للعلاجات القائمة، وفقاً لتقرير نشره موقع "Science Daily".
وشملت الدراسة، المنشورة في مجلة "نيتشر كانسر"، مرضى مصابين بسرطان البنكرياس النقيلي لم يتلقوا علاجاً سابقاً. وتلقى المشاركون العلاج الكيميائي المعتاد، إما وحده أو مع "باريكالسيتول"، وهو نظير لفيتامين د أقرّته إدارة الغذاء والدواء الأميركية لاستخدامات طبية أخرى.
وجد الباحثون أن الباريكالسيتول، سواء أُعطي بالفم أو عبر الوريد، يمكن دمجه مع العلاج الكيميائي بأمان إجمالاً. كما قلّل تنشيط الخلايا الليفية في البيئة المحيطة بالورم، وهو ما يدعم لدى المرضى نتائج مخبرية سابقة من «سولك».
ورغم أن التجربة لم تُصمَّم لتحديد ما إذا كان العلاج يحسّن النتائج، فقد رصد الباحثون إشارات مشجعة. فالمرضى الذين تلقوا الباريكالسيتول مع العلاج الكيميائي سجّلوا استجابات أكثر للعلاج، وكانوا أكثر ميلاً إلى البقاء بلا تقدّم للمرض بعد عام. أما من كانت أورامهم غنية بمستقبِل فيتامين د وتلقوا الدواء فحققوا أطول بقاء إجمالي على قيد الحياة.
ويقول أستاذ البيولوجيا الجزيئية والتطورية في "سولك" والمشارك في الدراسة، رونالد إيفانز، إنها تتبنى نهجاً جديداً لكسر المقاومة العلاجية في سرطان البنكرياس، موضحاً أن استخدام نظائر فيتامين "د" يستثمر منظومة الجسم الطبيعية لتخفيف الاستجابات الليفية والالتهابية، ما يتيح للعلاجات الأخرى أداء مهمتها.
كان إيفانز قد اكتشف عائلة المستقبِلات النووية، وهي فئة كبرى من الجزيئات تشمل مستقبِل فيتامين "د". وتستجيب هذه المستقبِلات لمواد مثل الهرمونات والفيتامينات والدهون، ثم تؤثر في سلوك الخلية بتشغيل الجينات وإيقافها. ويعمل نحو 13% من الأدوية المعتمدة حالياً عبر استهداف هذه المستقبِلات.
وأظهرت أبحاث سابقة لإيفانز وزملائه، في نماذج ما قبل سريرية، أن مستقبِل فيتامين "د" يسهم في تنظيم الخلايا الليفية في الكبد والبنكرياس، وهي خلايا نسيج ضام قد تساهم في بناء الهيكل الكثيف الواقي المحيط بأورام البنكرياس وبعض السرطانات الأخرى.
ووجدت تلك الدراسات مستويات مرتفعة خصوصاً من المستقبِل في مجموعات نادرة من هذه الخلايا، كما بدا أنه يؤدي دوراً في الحفاظ على سلامة الأنسجة واستقرارها.
وبيّن باحثو "سولك" أن أشكالاً صناعية من فيتامين "د"، ومنها الباريكالسيتول، قادرة على منع التليف الكبدي والتهاب البنكرياس في نماذج تجريبية، وهي مركّبات مصممة لمقاومة العملية الطبيعية التي تُفكّك الفيتامين.
ويشتهر سرطان البنكرياس بإنتاج استجابة ليفية قوية على نحو خاص، لذلك بحث إيفانز وفريقه في إمكان أن تغيّر نظائر فيتامين د البيئة المحيطة بأورامه.
وفاجأت النتائج الباحثين، إذ استطاعت هذه النظائر في نماذج سرطان البنكرياس عكس تنشيط الخلايا الليفية المرتبطة بالسرطان، وترافق ذلك مع استجابة أقوى للعلاج الكيميائي.
وأسهم هذا العمل في ترسيخ طريقة مختلفة للتفكير في علاج المرض: فبدلاً من التركيز على قتل الخلايا السرطانية مباشرة فحسب، يمكن محاولة إعادة برمجة النسيج المحيط الذي يدعم الورم ويحميه.
وبناءً على نتائج "سولك"، عمل براين وولبين وكيمبرلي بيريز من "دانا فاربر" مع فريق إيفانز على قيادة دراسة سريرية عشوائية تركّز أساساً على السلامة. وضمّت 36 مريضاً تلقوا العلاج الكيميائي القياسي (جيمسيتابين مع نانو-باكليتاكسيل) مع دواء وهمي، أو باريكالسيتول وريدي، أو باريكالسيتول فموي.
والباريكالسيتول معتمد أصلاً للوقاية من فرط نشاط جارات الدرق الثانوي وعلاجه لدى مرضى الكلى المزمنين. وكان الهدف الرئيسي معرفة ما إذا كانت إضافته آمنة، وقد أُعطي الدمج بأمان عموماً. لكن 5 من 12 مريضاً تلقوا الدواء الفموي أصيبوا بارتفاع الكالسيوم في الدم، وتمكن الباحثون من التحكم في هذا العرض بتخفيضات اعتيادية للجرعة.
وسعت الدراسة أيضاً إلى معرفة ما إذا كان الدواء يُحدث تغييرات قابلة للقياس داخل الأورام. فأُخذت خزعات عند دخول المرضى الدراسة وبعد أربعة إلى ستة أسابيع من العلاج، وفُحصت بتقنيات متقدمة للتألق المناعي المتعدد وتحليل التعبير الجيني المكاني.
وتبيّن أن الباريكالسيتول خفّض تنشيط الخلايا الليفية داخل الأورام دون أن يغيّر عددها الإجمالي، كما زاد تسلل الخلايا التائية، وهي خلايا مناعية يُمنع دخولها عادةً إلى أورام البنكرياس. وتدعم هذه النتائج فكرة أن الدواء يعيد تشكيل البيئة المحيطة بالورم، فتصبح أقل حماية له.
ولم تُصمَّم الدراسة للمقارنة بين فاعلية العلاجات أو لتحديد ما إذا كان الباريكالسيتول يطيل البقاء، لكن الباحثين لاحظوا فروقاً لافتة. فمن بين 24 مريضاً تلقوا الدواء، حقق 10 استجابة جزئية بنسبة 42%، مقابل مريض واحد فقط من 12 تلقوا الدواء الوهمي بنسبة 9%. كما بقي خمسة مرضى في مجموعتي الباريكالسيتول بلا تقدّم للمرض عند حلول العام الأول، ولم يحقق ذلك أي مريض في مجموعة الدواء الوهمي.
ولاحظ الباحثون أن مستويات مستقبِل فيتامين د داخل الأورام تباينت كثيراً بين المرضى، وبدت مرتبطة بنتائج العلاج، إذ استجاب أصحاب المستويات المرتفعة الذين تلقوا الدواء استجابة أفضل للعلاج الكيميائي وحققوا أطول بقاء.
ويبقى سرطان البنكرياس من أصعب السرطانات علاجاً. فالعلاج الكيميائي قد يبطئ المرض لدى بعض المصابين، لكن النتائج تظل ضعيفة، ويُعتقد أن البيئة المحيطة بالورم تؤدي دوراً مهماً في مقاومته للعلاج. فالأورام محاطة غالباً بنسيج ضام كثيف غني بالخلايا الليفية، يشكّل حاجزاً مادياً يصعّب وصول الأدوية إلى الخلايا السرطانية، ويخلق بيئة مثبطة للمناعة تحدّ من قدرة الجهاز المناعي على مهاجمة الورم.
ويرى الباحثون أن النتائج تمهّد لتجارب سريرية أكبر تختبر مباشرة ما إذا كان الجمع بين نظائر فيتامين د والعلاج الكيميائي أو علاجات أخرى يحسّن البقاء. ويلزم كذلك تحديد ما إذا كان مستوى المستقبِل في الورم قبل العلاج قادراً على التنبؤ بالمرضى الأكثر استفادة.
وتقول بيريز إن الدراسة خطوة مهمة نحو استخدام نظير لفيتامين د علاجاً لإعادة تشكيل النسيج الداعم للورم وتجاوز المقاومة العلاجية، مشيرة إلى أنها بُنيت على أبحاث أساسية في "سولك"، وتثبت نتائجها لدى المرضى، وترسم خريطة طريق لدراسات قد ترسي يوماً معياراً علاجياً جديداً.
العربية