نحو برنامج وطني لإعداد القيادات الجامعية في الأردن
أ. د. منصور المطارنة
10-10-2026 06:10 PM
* الاستثمار في الإنسان قبل المنصب
هل يكفي أن يكون الأستاذ الجامعي باحثًا متميزًا أو أكاديميًا مرموقًا ليصبح قائدًا جامعيًا ناجحًا؟ وهل تؤهل الخبرة الأكاديمية وحدها صاحبها لإدارة جامعة تضم آلاف الطلبة والعاملين، وتواجه تحديات مالية وإدارية وبحثية وتقنية متزايدة؟ هذه تساؤلات تستحق أن نتوقّف عندها ونحن نتطلع إلى مستقبل التعليم العالي في الأردن، ونسعى إلى تعزيز كفاءة جامعاتنا وتنافسيتها، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة والتميز المؤسسي فيها.
فالجامعات اليوم لم تعد مجرد مؤسسات تقدم البرامج الأكاديمية وتمنح الشهادات العلمية، بل أصبحت مؤسسات معرفية وتنموية كبرى، تضطلع بأدوار أساسية في إنتاج المعرفة والبحث العلمي والابتكار، وإعداد الكفاءات البشرية، وخدمة المجتمع والاقتصاد الوطني. وأصبحت قيادتها تتطلب مزيجًا من الخبرة الأكاديمية، والرؤية الاستراتيجية، والكفاءة الإدارية، والقدرة على إدارة الموارد وقيادة التغيير، واتخاذ القرارات المبنية على البيانات والأدلة. ومن هنا، فإن إعداد القيادات الجامعية لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة استراتيجية ترتبط بمستقبل الجامعات وقدرتها على التطور والاستدامة.
وقد شهدت السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا في عدد من الدول العربية بتطوير القيادات الحكومية والإدارية والأكاديمية، من خلال إنشاء مراكز وطنية متخصّصة وإطلاق برامج لتأهيل القيادات الحالية والمستقبلية. ومن الأمثلة على ذلك مركز محمد بن راشد لإعداد القادة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والأكاديمية الوطنية للتدريب في جمهورية مصر العربية، إلى جانب مبادرة مجلس شؤون الجامعات في المملكة العربية السعودية بإنشاء مركز إعداد القيادات الجامعية، تحت شعار «نحو قيادات جامعية أكثر تمكينًا». ورغم اختلاف هذه التجارب في أهدافها والفئات المستهدفة، فإنها تؤكد حقيقة أساسية مفادها أن القيادة الناجحة لا تُترك للمصادفة، بل تُبنى من خلال التأهيل المنهجي والتطوير المستمر والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية.
وفي الأردن، لدينا تجربة وطنية مهمّة يمكن البناء عليها؛ فقد تمّ استحداث مركز القيادات الحكومية كوحدة تنظيمية في معهد الإدارة العامة سنة 2019، بهدف بناء قيادات حكومية كفؤة ومؤهّلة لتولي المناصب القيادية بمستوياتها المختلفة، وتمكينها من قيادة التوجهات الوطنية وفق أفضل الممارسات العالمية في تطوير القدرات القيادية. وهي خطوة مؤسسية تستحق التقدير، ويمكن الاستفادة من خبراتها وبرامجها عند التفكير في تطوير مسار وطني متخصّص لإعداد القيادات الجامعية، مع مراعاة خصوصية المؤسسات الأكاديمية ومتطلبات إدارتها.
ولا شك أن الأردن يمتلك رصيدًا كبيرًا من الأكاديميين والباحثين والخبراء الذين أسهموا في تطوير مؤسسات تعليمية وبحثية داخل المملكة وخارجها، وتولوا مناصب قيادية في جامعات ومؤسسات مرموقة. غير أن توافر الكفاءات الأكاديمية لا يعني بالضرورة وجود منظومة وطنية متكاملة لاكتشاف المواهب القيادية مبكرًا، وتأهيلها وفق معايير واضحة، وإتاحة فرص التطوير المستمر لها. فالتميّز في التدريس والبحث العلمي والخبرة الجامعية مؤهلات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان النجاح في الإدارة الجامعية التي أصبحت تتطلب معرفة متعمّقة بالتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، والإدارة المالية، والاعتماد وضمان الجودة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، والتدويل (إضفاء الطابع الدولي) وبناء الشراكات، فضلًا عن مهارات الاتصال والتفاوض وإدارة الأزمات.
ومن هذا المنطلق، أدعو إلى دراسة إطلاق «البرنامج الوطني لإعداد القيادات الجامعية وتطويرها»، أو إنشاء مركز متخصّص لهذا الغرض، تتبناه الجهات الوطنية المعنية بالتعليم العالي، وفي مقدمتها أعتقد مجلس التعليم العالي، أو وزارة التربية والموارد البشريّة، أوهيئة الاعتماد وضمان الجودة، بالتعاون مع معهد الإدارة العامة ومركز القيادات الحكومية، وبمشاركة الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة. وليس المقصود استحداث مؤسّسة بيروقراطية جديدة أو إضافة أعباء مالية وإدارية، وإنما بناء منظومة وطنية مستدامة تستثمر في رأس المال البشري الأكاديمي، ويمكن أن تبدأ بإدارة أو بوحدة أو برنامج متخصّص ضمن إحدى المؤسسات القائمة، ثم تتطوّر تدريجيًا وفق احتياجات القطاع ونتائج التقييم.
وأرى أن نجاح هذه المبادرة يبدأ من وضع أسس شفّافة وعادلة لاختيار المشاركين، تقوم على الكفاءة والجدارة والنزاهة والإنجاز والاستعداد القيادي، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الأقدمية وحدها. وينبغي ألا يقتصر البرنامج على رؤساء الجامعات ونوابهم والعمداء، بل يشمل أيضًا رؤساء الأقسام الأكاديمية ومديري المراكز والوحدات، وأعضاء هيئة التدريس والإداريين المتميزين الذين يمتلكون مؤهلات واستعدادًا لتولي مسؤوليات قيادية مستقبلًا. فالغاية ليست إعداد أشخاص لمناصب محدّدة سلفًا، وإنما بناء قاعدة وطنية واسعة من الكفاءات القيادية المؤهلة، بما يعزّز تكافؤ الفرص، ويوفر للجامعات خيارات أوسع عند اختيار قياداتها وفق الأنظمة والتشريعات المعمول بها.
ولا ينبغي أن يتحوّل البرنامج المقترح إلى سلسلة من الدورات التقليدية التي تنتهي بمنح شهادات المشاركة، بل يجب أن يكون برنامجًا تأهيليًا مكثفًا يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي والتجارب الميدانية، ويغطي مختلف جوانب القيادة والإدارة الجامعية الحديثة. ومن الضروري أن يتضمن مسارًا للتأهيل الدولي، من خلال عقد شراكات مع جامعات عالمية مرموقة ومراكز متخصّصة في القيادة وإدارة التعليم العالي في كندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا وسنغافورة وغيرها، تتيح للمشاركين الالتحاق ببرامج تنفيذية متقدمة، والالتقاء بالقيادات الجامعية الدولية، ودراسة تجاربها في الحوكمة والتخطيط وإدارة الموارد والبحث العلمي والابتكار.
وهنا أؤكد أن المقصود ليس تنظيم زيارات بروتوكولية أو جولات تعريفية، وإنما تجارب تدريبية مهنية حقيقية ومنظّمة، تمتد مثلًا لأسبوعين أو ثلاثة أسابيع في الجامعات الشريكة، وتجمع بين التدريب المكثّف، والتوجيه القيادي، ودراسة الحالات العملية، والاطلاع المباشر على آليات اتخاذ القرار وإدارة المؤسسات الأكاديمية. كما يمكن أن تشمل التجربة برنامجًا للإرشاد القيادي، بحيث يتواصل كل مشارك مع أحد القياديين ذوي الخبرة في الجامعة المستضيفة، ويتبادل معه المعرفة والتجارب والتحديات والحلول. ولضمان الاستفادة الفعلية من هذه الشراكات، ينبغي إلزام كل مشارك بإعداد مشروع تطوير مؤسسي قابل للتطبيق في جامعته، يعالج تحديًا حقيقيًا أو يقدم حلًا مبتكرًا في أحد مجالات الإدارة الجامعية.
ويمكن البدء بتنفيذ البرنامج بصورة تجريبية، من خلال اختيار مجموعة تتراوح بين 20-30 مشاركًا من الجامعات الأردنية، وفق معايير تنافسيّة معلنة، ليلتحقوا ببرنامج يمتد من ستة إلى تسعة أشهر، يجمع بين التدريب المحلي والتأهيل الدولي والمشروعات التطبيقية. كما يمكن الاستفادة من خبرات القيادات الجامعية الأردنية السابقة، والأكاديميين الأردنيين العاملين في مؤسّسات وجامعات دولية، والخبراء في الاعتماد والجودة والتخطيط الاستراتيجي. وينبغي أن ترافق ذلك منظومة واضحة لتقييم المشاركين وقياس أثر التدريب، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات المؤهلة، والمساهمة في التخطيط للتعاقب القيادي وإعداد الصفين الثاني والثالث من القيادات الجامعية. إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في عدد الدورات أو الخريجين، بل في قدرته على إحداث تحوّل ملموس في أساليب الإدارة الجامعية، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتحسين جودة القرارات، وتطوير الأداء المؤسسي، ورفع تنافسية الجامعات محليًا ودوليًا.
فالجامعات بحاجة إلى قيادات تستطيع استشراف المستقبل، والتعامل مع التحولات التقنية والاقتصادية، وتطوير مصادر التمويل، وبناء الشراكات، وتحويل المعرفة والبحث العلمي إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية حقيقية.
ومن هنا، أتطلع إلى أن تتبنى الجهات المعنية بالتعليم العالي في الأردن هذه الفكرة، وأن تبادر إلى تشكيل فريق وطني متخصّص لدراسة التجارب العربية والدولية، والبناء على تجربة مركز القيادات الحكومية الأردني، وإعداد تصوّر تنفيذي متكامل لبرنامج وطني متخصّص في إعداد القيادات الجامعية وتأهيلها وتمكينها، ضمن إطار مؤسّسي واضح ومستدام. وأودّ الإشارة إلى أنّنا نملك رؤية متكاملة للمساعدة في تأسيس هذا البرنامج الوطني وتنفيذه، تشمل هيكله التنظيمي، وآليات اختيار المشاركين، وتصنيف الفئات القيادية، والمسارات التدريبية والتأهيلية، والمراحل الزمنية، والشراكات الدولية، وآليات التقييم وقياس الأثر. ولضيق المساحة، اكتفيت هنا بطرح الفكرة وأهميتها الوطنية، دون الخوض في تفاصيلها التنفيذية، آملًا أن تحظى باهتمام الجهات المعنية لتتحوّل إلى مشروع وطني يسهم في تطوير القيادات الجامعية والارتقاء بالتعليم العالي الأردني.
وختامًا، فإن الجامعات القوية لا تُبنى بالمباني والموازنات وحدها، وإنما تُبنى بقيادات تمتلك الرؤية والمعرفة والقدرة على الإنجازلأنّنا نبحث عن قادة وليس عن مدراء. ولابدّ أن ندرك أن إنشاء برنامج وطني لإعداد القيادات لا يعني أن كل من يجتازه يصبح مؤهلًا تلقائيًا لتولي منصب قيادي، وإنما يعني توفير فرص منظّمة وعادلة لبناء القدرات، ورفع مستوى الجاهزية القيادية، وتوسيع قاعدة الكفاءات التي يمكن الاختيار منها مستقبلًا. فالتأهيل القيادي ينبغي أن يكون عنصرًا داعمًا للجدارة والكفاءة، لا بديلًا عنهما، كما ينبغي أن يبقى اختيار القيادات خاضعًا لمعايير موضوعية وإجراءات شفّافة تضمن تكافؤ الفرص. لذا، فإنّ أهم استثمار يمكن أن نقدمه اليوم لمستقبل التعليم العالي الأردني هو أن نُحسن إعداد من سيتحملون مسؤولية قيادته غدًا؛ فالاستثمار في إعداد القيادات الجامعية ليس تكلفة إضافية، بل استثمار وطني طويل الأمد في جودة التعليم العالي، واستدامة مؤسساته، ومستقبل أجياله.