هل نرى العالم كما هو فعلاً، أم نراه كما تصوّره لنا عقولنا وتلوّنه مشاعرنا؟ وهل قراراتنا ومواقفنا تجاه الآخرين تستند دائماً إلى الحقائق، أم إلى تجارب سابقة ومخاوف ورغبات نحملها في داخلنا دون أن ندرك تأثيرها؟
هذه الأسئلة حضرت في ذهني وأنا أتأمل كتاب «الإسقاطات: قصة المشاعر الإنسانية» (Projections) للطبيب النفسي وعالم الأعصاب كارل ديسيروث،(حائز على نوبل بالطب 2026) الذي يأخذنا في رحلة إلى أعماق الدماغ الإنساني، محاولاً فهم العلاقة بين ما يحدث داخل عقولنا وما نشعر به ونفكر فيه ونفعله في حياتنا اليومية.
الفكرة التي تستحق التأمل هي أن الإنسان لا يستقبل الواقع كما تستقبله الكاميرا، بل يعيد دماغه بناء هذا الواقع وتفسيره من خلال الذاكرة والتجربة والتوقعات والمشاعر. ولهذا قد يعيش شخصان الموقف نفسه، لكنهما يخرجان منه بتفسيرين مختلفين تماماً.
قد يرى أحدهما في النقد فرصة للتطور، بينما يراه الآخر تهديداً لكرامته. وقد يرى موظف في قرار التغيير فرصة جديدة، بينما يراه زميله بداية لفقدان الأمان الوظيفي. القرار واحد، والواقع واحد، لكن المشاعر صنعت واقعين مختلفين.
وهنا تبدأ واحدة من أهم الحقائق في فهم السلوك الإنساني: نحن لا نستجيب دائماً لما يحدث، بل لما نعتقد أنه يحدث.
وهذه الفكرة تقودنا إلى عالم "البصائر السلوكية"، الذي يفسر لماذا لا يتصرف الإنسان دائماً بالطريقة التي تفترضها النماذج العقلانية. فنحن لا نتخذ قراراتنا اعتماداً على المعلومات وحدها، بل تتداخل معها الانحيازات المعرفية والتجارب السابقة والعواطف والسياق الاجتماعي.
فالمواطن الذي يتردد في استخدام خدمة حكومية رقمية قد لا تكون مشكلته في سهولة الخدمة، بل في خوفه من الخطأ أو فقدان السيطرة. والموظف الذي يقاوم التحول المؤسسي قد لا يكون رافضاً للتطوير، بل قلقاً على مكانته أو قدرته على مواكبة المستقبل.
وهذا يعني أن المؤسسات التي تريد تغيير سلوك الناس لا يكفي أن تقدم لهم المعلومات أو تصدر التعليمات، بل عليها أن تفهم كيف يفكرون، وماذا يشعرون، وكيف يفسرون ما يحدث حولهم.
وفي القيادة، تصبح هذه الحقيقة أكثر أهمية.
فالقائد لا يتعامل مع هياكل تنظيمية وإجراءات ومؤشرات أداء فقط، بل مع بشر يحمل كل واحد منهم قصة وتجربة ومخاوف وطموحات. وقد يفشل قرار إداري صحيح من الناحية الفنية لأنه تجاهل البعد الإنساني، بينما ينجح قرار آخر لأنه استطاع أن يبني الثقة ويمنح الناس شعوراً بالأمان والانتماء.
إن القيادة لا تبدأ فقط من القدرة على فهم الواقع، بل من القدرة على فهم كيف يراه الآخرون.
والقائد الذكي ليس من يعتقد أن تفسيره للأحداث هو الحقيقة الوحيدة، بل من يمتلك الشجاعة ليسأل نفسه: هل أرى المشكلة كما هي، أم كما تصوّرها لي خبراتي السابقة؟ وهل أفسر سلوك الموظف بناءً على ما فعله فعلاً، أم بناءً على انطباع تكوّن لديّ عنه؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع كثيراً من الأحكام المتسرعة، وتفتح المجال أمام قيادة أكثر إنسانية وعدلاً وفاعلية.
لكن المفارقة الكبرى تظهر اليوم مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا ومؤسساتنا. فنحن نطوّر أنظمة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات، والتنبؤ بالسلوك، والتعرف إلى أنماط التعبير العاطفي، وربما اقتراح قرارات أكثر دقة من بعض القرارات البشرية. ومع ذلك، فإن التعرف إلى مؤشرات المشاعر لا يعني بالضرورة فهم التجربة الإنسانية التي تقف وراءها.
فالخوارزمية قد ترصد علامات القلق في الكلمات، لكنها لا تعيش تجربة الخوف. وقد تحلل مؤشرات الرضا الوظيفي، لكنها لا تختبر معنى الانتماء. وقد تتنبأ باستقالة موظف، لكنها لا تعرف بالضرورة القصة الإنسانية التي دفعته إلى اتخاذ قراره.
وهنا أعتقد أن مستقبل القيادة لن يكون للأكثر قدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي وحده، بل للأكثر قدرة على الجمع بين ذكاء الآلة وفهم الإنسان.
إننا بحاجة إلى مؤسسات لا تكتفي بقياس رضا الموظفين، بل تفهم أسباب رضاهم أو إحباطهم؛ وحكومات لا تكتفي برقمنة الخدمات، بل تدرك مشاعر المتعاملين أثناء رحلتهم؛ وقيادات لا تكتفي بقراءة لوحات البيانات، بل تستطيع قراءة ما وراء الأرقام.
ولعل الدرس الأعمق الذي يمكن أن نستخلصه من هذا الكتاب هو أن الإنسان أكثر تعقيداً من أن نختزله في قرار، أو سلوك، أو مؤشر أداء، أو حتى نشاط عصبي في الدماغ.
فنحن نحمل داخلنا عوالم غير مرئية، ونرى العالم الخارجي من خلال نوافذ صنعتها تجاربنا ومشاعرنا وذكرياتنا. وكلما أدركنا ذلك، أصبحنا أقل تسرعاً في الحكم على الآخرين، وأكثر قدرة على فهم اختلافاتهم.
وربما تكون أعظم مهارة يحتاجها قائد المستقبل ليست أن يرى العالم بوضوح أكبر فقط، بل أن يتعلم كيف يراه الآخرون.
ففي عالم يتسابق فيه الجميع لتطوير آلات أكثر ذكاءً، علينا ألا ننسى أن نطوّر قدرتنا على أن نكون بشراً أكثر فهماً وتعاطفاً.
لأننا في النهاية لا نقود أرقاماً، ولا ندير أنظمة فقط… نحن نقود بشراً، ولكل إنسان عالم كامل لا نراه.