إعادة التموضع الجيوسياسي للأردن في ظل التحولات الإقليمية
د. عماد الحمادين
08-10-2026 09:13 PM
كيف يعيد الأردن تموضعة الجيوسياسي في ظل التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية، بحيث يتحول من دولة تتأثر بالتحولات الإقليمية إلى دولة قادرة على التأثير في اتجاهاتها؟ لم تعد البيئة الاقليمية التي بنى الأردن عليها سياسته الخارجية وإستراتيجياته الداخلية قائمة بالصورة السابقة. التغيرات في البيئة المحيطة بالأردن شملت الحرب السورية التي انتهت بسقوط نظام الأسد الذي استمر لأكثر من خمسين عاما، والحرب الإيرانية الأميركية الاخيرة، وأحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من تحولات في إستراتيجية الأمن الإسرائيلية والتحولات القائمة في الضفة الغربية، أضف إلى ذلك السياسة الأميركية الجديدة بوجود الرئيس ترامب، كل ذلك يشير إلى تغير جوهري في البيئة الإقليمية تحتاج ليس إلى تطوير الأدوات السابقة في التعامل معها فحسب، بل وجب تغييرها عند الحاجة. وفي ضوء نظرية الدول الصغيرة التي تسعى للبقاء في ظل تنافس إقليمي ودولي، يتم التمييز بين التكيف التقليدي القائم على إدارة التوازنات والأزمات، والتكيف الإستراتيجي الذي يسعى إلى توظيف موارد الدولة وموقعها وعلاقاتها الدولية لتعزيز هامش المناورة والتأثير. تواجه المملكة اختبارا لمدى قدرتها على ادامة التوازنات الداخلية الدقيقة وبنفس الوقت المحافظة على الاستقرار السياسي.
إن إعادة التموضع الأردني اتخذت طابعاً متعدد الأبعاد يشمل: تعزيز القدرة الداخلية على الصمود، حماية السيادة والمجال الجغرافي، إعادة توظيف الموقع الجيوسياسي، وتنويع أدوات وشبكات الشراكة والتأثير الخارجي. كما أن ارتفاع إدراك التهديد الخارجي لدى الشعب الأردني حسب المسح الأخير لآراء الأردنيين عام 2026 وعلاقتة بالحرب الإيرانية الأميركية القائمة، لم يؤدِّ بالضرورة إلى تراجع الثقة بالدولة، في ظل مستويات مرتفعة من الثقة بالمؤسسات الأمنية والحكومة والرضا عن إدارة الأزمة، مع استمرار الضغوط الاقتصادية.
الأردن بحكم الامر الواقع، لا يملك القدرة على التحكم بمسارات التحولات الإقليمية، لكنه يستطيع تقليل تعرضه لتداعياتها وتوسيع هامش استقلاله الإستراتيجي من خلال تحويل الجغرافيا، والاستقرار الداخلي، والدبلوماسية، والشراكات الدولية إلى مصادر للقوة والتأثير. ومن ثم، فإن جوهر إعادة التموضع يتمثل في الانتقال من «التكيف مع الإقليم» إلى «التكيف من أجل التأثير في الإقليم».
يمكن الجزم بالقول إن إستراتيجيات التحول بدأت مع الأزمة السورية عام 2011، حيث أصبحت المأساة السورية تلقي بظلالها على الأردن والأمن الوطني بمفهومه الشامل والمقصود به أمنه المجتمعي والاقتصادي والعسكري والبيئي وليس فقط من وجهة نظر الأمن التقليدي الذي يعنى بالحدود والتهديدات الخارجية المباشرة دون النظر إلى الصورة الأشمل للأمن الوطني كما تحدث عنهBuzan, Wæver, and de Wilde (1998) في كتاب Securitization.
تمثلت إستراتيجية التحول الجديدة في فترة الحرب السورية وما تلاها من دفاع تقليدي حدودي يستجيب للأزمة عند وقوعها إلى دفاع استباقي يتدخل في العمليات المعادية قبل وصولها لأراضيه، وهذه طريقة جديدة في التعامل مع التهديدات لم تكن مسبوقة، مما يشير إلى تبني الأردن إستراتيجيات جديدة تقوم على مواجهة التهديدات قبل وصولها. وقد فرض تغيير الاستراتيحيات على الحدود استخدام الطائرات بدون طيار والتدخل في عمليات التهريب وتدمير شبكات التسلل والتهريب داخل الأراضي السورية قبل دخولها الأراضي الأردنية، وهذا اعتمد على أمرين أساسيين: الأول التنسيق مع السلطات السورية، والثاني الاستخبارات الإستراتيجية، مما أعطى عمليات إعادة التموضع بعدا أمنيا أكثر.
تعتبر القضية الفلسطينية إحدى أهم القضايا المؤثرة على التحول السياسي الأردني في إستراتيجيات إعادة التموضع. ليس فقط بسبب قربها الجغرافي والسياسي، وإنما بسبب ارتباطها المباشر بقضايا أمن الحدود، الهوية الوطنية، الوصاية الهاشمية على المقدسات. كان حل الدولتين هو الحل الأفضل الذي يفضلة الأردن والدول العربية الاخرى، وكثير من دول العالم، لأن هذا الخيار يمنح كلا من الفلسطينيين والإسرائيليين الحق في الحياة والعيش المشترك ضمن حدود دولية معترف فيها.
تمثلت الإستراتيجية الأردنية السابقة بالتمسك بحل الدولتين، ورفض مقترحات الوطن البديل والحفاظ على الوصاية الهاشمية. لكن هذا التمسك الأردني يواجة بمقاومة من اليمين المتطرف الإسرائيلي ومن إدارة أميركية متماشية مع الرغبات الإسرائيلية التي ترغب بجعل إسرائيل خالية من الفلسطينيين. انتقل الأردن في هذا السياق إلى البحث عن بدائل دولية تساعد في تسليط مزيد من الضوء على الخطر الذي يشكلة عدم ايجاد دولة للفلسطينيين كتكيف إستراتيجي.
المملكة الأردنية الهاشمية تقع في قلب المنطقة العربية وفي عين التحولات مما يفرض على صانع القرار الأردني التصرف بما يحفظ مصالح الأردن الحيوية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة أفكار الملك في خطابة أمام الجمعية العامة للامم المتحدة 2026 حيث تحدث الملك بشكل قلق عن المخططات الإسرائيلية للتوسع على حساب الدول العربية، وكذلك عمليات الضم والتهويد للأراضي الفلسطينية على حدود الـ67. وفي ظل الغطرسة الإسرائيلية والضعف العربي المقابل، تعتبر خطابات الملك عبدالله في العواصم العالمية وفي الأمم المتحدة إحدى الأدوات التقليدية والسياسة الأردنية لمنع إسرائيل من المضي قدما في مخططاتها. الواقع يشير إلى أن هذه الخطابات تضع الدول الغربية أمام وضع إنساني يتعلق بالتركيز على القانون الدولي وحقوق الإنسان، وقرارات الشرعية الدولية، إلا أنها ذات تأثير محدود على قرارات الحكومة الإسرائيلية اليمينة. الاتحاد الأوروبي لا يملك أي أدوات تأثير على إسرائيل ولا أي دولة باستثناء الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت مؤخرا قليلة الاهتمام بموضوع الضفة الغربية.
نجحت الدولة الأردنية إلى حد ما في تطوير ادوات سياسية واقتصادية وامنية مكنتها من الصمود داخل اقليم متحرك وعدم يقين إستراتيجي، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على أنماط ثابتة من التحالفات أو التوازنات. وفي هذا السياق، تبنت الدولة الأردنية نمطًا من إدارة السياسة الخارجية يقوم على المرونة العالية وتجنب الاصطفافات الحادة، مع الحفاظ على قنوات اتصال متعددة تسمح لها بالمناورة داخل بيئة إقليمية شديدة التقلب. حتى مع إيران، وفي خضم الحرب، مارست السياسة الأردنية سياسة الاحتواء وعدم التصعيد، ومنها عدم قطع العلاقات مع الإيرانيين بشكل حاد بالرغم من تساقط الصواريخ الإيرانية على الأراضي الأردنية. السياسة الأردنية مع إيران يمكن فهمها من باب آخر، وهو أن الحرب ستنتهي وأن القوات الأميركية ستغادر المنطقة وتبقى العلاقات بين دوار الجوار هي الحاكمة، لذلك يبقي الأردن الباب مواربا للعلاقة مع إيران خوفا من تطورات مستقبلية غير متحكم بها. لكن هذه الآلية في السياسة الأردنية ليست بجديدة، فهي مرنة باستمرار وتتجنب الاصطفافات الحادة منذ زمن التأسيس.
الغد